عاصم بدر الدين
بيروت، لبنان | 8 أيلول/سبتمبر 2025
اليوم الأول*
أتذكر تلك الليلة، التي تعرفت فيها لأول مرة إلى روايات إلياس خوري. أتذكرها أم أتخيلها؟ لا أعرف. لكن، كأن ما حدث يومها، على نحو مفاجئ وغير مخطط له، كان انتقالاً يشبه الانمحاء بين عالمين. أمام «مملكة الغرباء»، في غرفتي، ذهبت دفعة واحدة إلى عالم آخر، غريب ولا أعرفه، منوماً بسحر لم أتمكن من فهمه. وحين عدت، من هناك، من ذاك العالم المستجد، كنت كمن اكتشف سراً.
لا أتذكر، بدقة، هذه الليلة. مثلاً، لا أعرف زمن حدوثها، إلا على نحو تقديري. أي أنني أربطها بما سبقها من أحداث وما تلاها. كأن أقول إننا كنا في عام 2006، بعد انتهاء حرب تموز وعودتنا إلى بيتنا، من نزوحاتنا المتتالية. وأنه كان صيفاً. أتخيلني بشورت وكنزة نص كم، والمروحة خلفي تدور وتهدر. وأنها حصلت قبل موعد معرض الكتاب السنوي، في كانون الأول، الذي ذهبت إليه في رحلة مدرسية واشتريت منه، بناءً على قرار مسبق، «كأنها نائمة»، التي كانت صدرت لتوها. أي أن هذا اللقاء الأول، في ذاكرتي ومخيلتي، يمتد إلى بضعة أشهر، لا يمكنني حصرها. هذا الطيف الزمني الواسع، يتعبني ويحزنني. لكنني أتساءل، الآن، كأنني أخفف عن نفسي هذه المشقة، ألم تكن علاقتي بإلياس خوري وأدبه وكتاباته وسيرته، لحظة مفتوحة بدأت من ذاك الحدث، المشوش في رأسي، ولم تنته، على ما يبدو، حتى بعد وفاته؟
اليوم الثاني
كيف أفسر حالة مثل هذه من دون أن أشط وأبالغ؟ ومن دون أن أقول إنني، حقاً، كلما بدأت كتاباً، لأي كان، وعن أي موضوع، منذ تلك اللحظة المفتوحة، أبدو كأنني أعود إلى الوراء، إلى ذلك الحدث التأسيسي الغامض، الذي سأسميه لاحقاً «ليلة اللبنة والبندورة»، وأبدأ من جديد. أي أن كل قراءة، وتالياً كل كتابة، تبدأ من جذر واحد، هو اكتشافي لإلياس خوري وأدبه.
هذه مبالغة. ربما. لكنها تعجبني. ومن أجل تثبيتها، وتوكيدها، على ما فيها من غرابة وشطط، أسقط كل ما سبقها من استعدادات ذهنية وميول مكتسبة، كان يمكنها أن تجعلني قارئاً أيضاً. ومنها، أنني قرأت في صغري على نحو أسبوعي وبرغبة لحوحة مني، لا بفرض ولا توجيه، مجلة للأطفال. ثم، حين كبرت قليلاً، قرأت، من دون أي تخاذل، مجلة رياضية. ثم مجلة سياسية. وكانت الجريدة حاضرة، يومياً، في بيتنا. كنا ننتظر بعضنا بالدور، حين يعود أبي، وهو صحافي، من عمله، لنقلب صفحاتها، كأنه طقس أسري. وكنت أترك، دائماً، روايات بوليسية مترجمة، صغيرة الحجم، في سيارة أبي، أقرأها حين كان يضعني إلى جانبه في مشاوير شغله، التي نحسبها بعيدة. كنت أنتظره، حين نصل إلى وجهته، في السيارة وأقرأ.
وفي الأيام الأولى من حرب تموز قرأت، بعدما انقطعت الكهرباء وقبل أن نضطر للنزوح، «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران، وتأثرت. بكيت حتى انفجرت عيناي. والأهم، أنني في طفولتي كنت أنام، حرفياً، داخل مكتبة. كان بيتنا القديم ضيقاً على عددنا القليل. فاضطر أهلي إلى اقتطاع زاوية من غرفة الجلوس، لتأمين مكان لنا، أخي وأنا، ننام فيه. كانت مكتبة أبي، وقد تحولت حائطاً خشبياً لغرفة مرتجلة، ضيقة، بالكاد تتسع لطفلين سمينين وسريرين فوق بعضهما. هل نام أحد منكم، يا سادة، داخل مكتبة لسنوات؟ أشك. يعجبني ذلك أيضاً، ويشعل ذاكرتي وخيالي. لكنه، في أثره، ليس شيئاً أمام ما اكتشفته في تلك الليلة.
المسألة، أقله في عقلي، بسيطة جداً. كنت، قبل «مملكة الغرباء»، طفلاً مثل غيري يفتش ويبحث. وهذا ما تؤكده لي ذاكرتي. ذلك أنني، في هذه الفترة نفسها، أي قبل أن يصبح عمري 16 عاماً، وقبل أن أكتشف إلياس خوري، جربت نفسي في اهتمامات كثيرة. عزفت ورسمت ولعبت كرة الطاولة والقدم والسلة. ومرة، كدت أن أمثل على مسرح أمام جمهور هائل العدد، لولا قلق التصاق اسم الشخصية، التي اخترت لتأديتها، بي إلى الأبد. كانت القراءة، مثل كل هذه الأفعال، تجريباً بتجريب. لكن، في تلك الليلة اتخذت قراراً. صحيح أنني لم أقل بوضوح، بيني وبين نفسي، إنني أريد ذلك، أريد مزيداً من ذلك، إنني من هنا، ولست من هناك، غير أن ما حصل بعدها، أي ما كان يمكن أن أسميه في حينها المستقبل، أكد ذلك.
اليوم الثالث
ليست المرة الأولى التي أستعيد فيها تلك الليلة. تعود، بسبب ومن دونه، إلى رأسي. إنها الأصل، كما أحاول أن أقول وأبرهن. حتى أنني جربت أن أكتب عنها، قبل أكثر من 10 سنوات. هذه حكاية تستحق أن تروى. كنت، في حينها، بدأت الكتابة في ملحق النهار، لا لسبب غير أن إلياس خوري، حين تعرفت إلى أدبه، كان يكتب فيه (كتبت، قبل ذلك، في جريدة القدس العربي للغاية نفسها). هذا، على عكس ذاك الذي أشرت إليه سابقاً، كان قراراً واضحاً عندي. أريد أن أكتب في المكان نفسه الذي كتب فيه. بعد نحو سنة على نشر أول مقال، كتبت نصاً صغيراً لمناسبة صدور «سينالكول». كنا في عام 2012. لا أتذكر ماذا كتبت. لكن ما أعرفه أنني حكيت عن سندويش اللبنة والبندورة نفسها. أرسلته، غير أن محرر الملحق، في حينها، عقل العويط رفض نشره. قال لي إننا لا ننشر عن أصدقائنا. لم أفهم. بقيت سنوات أفكر في رفضه. هل كان يقصد، وهو شاعر لا بد أن خياله واسع بالضرورة، أن القارئ صديق الكاتب، والعكس؟ والحال هذه، من يكتب عن من إذن؟ كان عليّ أن أنتظر المرض، بعد سنوات طويلة، ثم الوفاة، لأفهم أنه كان يتحدث عن نفسه، لا عني. وهذا غريب، لا؟
في كل حال، بقي هذا النص، غير المنشور، والذي لا أملك غالباً نسخة منه، حسرة لا تزول. هل أحاول في ما أكتبه، الآن، أن أداويها؟ نعم. لكنها لم تكن حسرة وحيدة. ذلك أنني حين عرفت بخبر وفاته، كان حزني حزنين. حزن أول، هو هذه الخسارة الشخصية. وحزن آخر قلّبته ذاكرتي من طبقاتها البعيدة. كأنه كان انتقاماً مؤجلاً، صفعة استحقيتها متأخراً، على ذنب دفنته، وأحسب أنه لا يغتفر. كانت ذكرى عائدة من عام 2014.
يومها، كنت مع صديقتي بالقرب من الجامعة العربية في الطريق الجديدة، نمشي نزولاً باتجاه الكولا. رن هاتفي. تجمدت في مكاني. أخرجته من جيبي، ورحت أبحلق في الشاشة الصغيرة. كنت أسمع طنيناً وصوتاً يقول لي «يلا رد. رد». هل كان صوتي أم صوتها؟ كان هو. لم أتفاجأ، إذ كان قد طلب رقمي في اليوم السابق، عبر فايسبوك، لأنه يريد أن يتعرف إلي. لا لشيء، إلا لأنني فعلت ما فعله كل مهووس رصين بشخصية عامة بعد ظهور فايسبوك: فتحت صفحة باسمه، عام 2008.
كنت مرتبكاً وقلقاً، منذ أن طلب رقمي. ولا أتذكر ما قاله، في اتصاله هذا، ولا بماذا كنت أرد. لكن، يمكنني أن أتخيل أنني أكثرت من «إي»، «أكيد» و«شكراً». هذه عادتي، حين لا أجد ما أقوله. وكنت أدور، في مكاني على الرصيف، وأنظر إلى البنايات المحيطة، أقله كي لا أراها تنظر هي، بدورها، إلي مرتبكاً وتائهاً إلى هذه الدرجة. ثم اتفقنا على أن أتصل به في أول الأسبوع المقبل، لنحدد موعداً للقائنا. كنا في 5 حزيران. تاريخ لا أعرفه من ذاكرتي، بل من صورة التقطتها ونشرتها على انستغرام، يومها، لشجرة تخترق سقف كوخ/ مقهى لسائقي الفانات، في الكولا، جلست فيه مع صديقتي بعد نهاية الاتصال القصير، وبداية أثره المدوّخ. في الأيام التالية، رحت أفكر في اللقاء وأتخيلني فيه. ماذا سأفعل؟ ماذا سأقول؟ ماذا سيقول؟ أين سنلتقي؟ وفي أي ساعة؟ هل يكفي أن أصمت؟ هل يكفي أن أضحك أو أن أهز رأسي؟ ولم أتصل به، طبعاً. كنت قلقاً وخائفاً وخجلاناً، وإلى آخره. قررت أن أنسى. لكن، الآن ومنذ سنة، كيف أنسى؟
لا أريد أن أعطل، ولو جزئياً، درامية الفكرة السابقة. غير أنني، في الحقيقة، عدت والتقيت به بعد أكثر من عام، في أيلول 2015. هذه المرة، وكنت مراهناً على النسيان، طلبت موعداً منه لإجراء مقابلة، نشرت في موقع المدن. كنت، في حينها، أجري مقابلات مع كتاب وباحثين عن الحركة الاحتجاجية التي بدأت في تلك الفترة. حضر القلق نفسه منذ أن وافق، بلطف زاد ارتباكي. وما كنت أتخيله في ذاك اللقاء الأول، المهدور، شهدت عليه واقعاً. ذلك أنني منذ دخلت مكتبه، في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في فردان، كنت كأنني اختفيت. صرت شبحاً، فمي لا يفتح ولا يتحرك. نشف حلقي، كما نقول في مثل هذه الحالات، حرفياً. كان عليّ أن أطرح أسئلة. لكن من أين ستأتي هذه، إذا كان حاملها غير موجود؟
لا أعرف كيف انتهت المقابلة. ولا أذكر كيف حضرت الأسئلة والأجوبة. ما بقي، في ذاكرتي، من ذلك اللقاء أنني كنت أنقّل بصري، كأنني متفرج محايد، بينه وبين علبة مالبورو حمراء وركوة قهوة يبدو أنها فارت أثناء غليِّها، كانتا موجودتين على مكتبه، وكارتونة بسكويت غندور الشهيرة، بألوانها الحمراء والخضراء والبيضاء، لا أتذكر بالضبط أين كانت. وجود هذه العلبة، في مكتبه، أضحكني لسبب لا أفهمه. كأنه شيء مستغرب. لكنها لم تكن بغرابة إصراره على أنه يعرفني من قبل. طبعاً، هو يعرفني. غير أنه كان يقصد أننا التقينا من قبل. نفيت. لا أتذكر كيف. هل قلت له «لو أننا التقينا من قبل، فعلاً، ما كنت لأنسى ذلك»؟ لا أعرف. تبدو هذه الجملة شبيهة بما يمكن أن أقوله، لو كنت أكثر ارتياحاً. في كل حال، كان ظنه هذا كافياً ليذهب بخيالي بعيداً، ليس في زمن المقابلة نفسها فحسب، بل في كل زمن لاحق. إنه يعرفني!
المهم. نعود إلى تلك الليلة، التي أريد لها أن تكون بداية كل شيء. «ليلة اللبنة والبندورة».
أقول إنني كنت في غرفتي. في بيتنا الجديد. المروحة تدفع الهواء بارداً إلى ظهري. أجلس على كرسي، وأنظر إلى شاشة الكمبيوتر. في ذلك الزمن، وتحديداً بعد اغتيال رفيق الحريري، كنت بدأت أهتم بما يمكن أن نسميه شأناً عاماً. هل كنت، لحظتها، أتصفح موقع حركة اليسار الديمقراطي، الذي كان يشبه موقعاً إخبارياً، لا موقعاً حزبياً؟ غالباً، نعم. هل قرأت فيه مقالاً لإلياس خوري وأعجبني، فقررت أن أبحث عن اسمه؟ أرجح ذلك. هل قرأت تعريفاً عنه، كما في تلك النبذة المختصرة في ويكيبيديا؟ لا أعرف، لكن ممكن. هل كان نص «مملكة الغرباء» من أول النتائج التي ظهرت لي؟ لا أشك بذلك أبداً. كان نصاً، لا نسخة PDF، ولون الخط أحمر على خلفية غير بيضاء. ربما، كانت لوناً قريباً من البني. لست متأكداً. وبدأت:
«قلت لها إنني أشم رائحة الذكريات.
«ابتسمت.
«كانت مريم تبتسم حين لا تعرف الأجوبة، ثم تتلعثم وتتردد قبل أن تقول إنها لا تعرف أن تعبر عن فكرتها.
«هكذا كانت.
«امرأة قصيرة الشعر، واسعة العينين، ظهرها ينحني قليلاً إلى الأمام، تدندن لحناً غريباً لم تقل لي مرة من أين جاءت به، وتمشي إلى جانبي صامتة على ضفة البحر الميت.
«كان الأفق رصاصياً.
«رصاص يلون ضفة البحر الميت، وأنا أقف. غور الأردن ينخفض بي إلى قاع لزج. رطوبة ورصاص ورائحة ذكريات.
«الفرق هو القصة، قالت. الحب هو قصة الحب.
«لم تكن معي في رحلتي إلى الغور. بلى كانت، رائحتها كانت، وأنا أشم رائحة الذكريات، وهي لا تعرف الفرق بين الحب وقصة الحب».
كيف أفسر حالة مثل هذه من دون أن أشط وأبالغ؟
بدأت القراءة، من دون أن أتمكن من التوقف. كنت كلما تقدمت، جملة بعد أخرى، أقرب وجهي أكثر من الشاشة. كأنني ألتصق بما أقرأه. أو أنجذب إليه ويسحبني. إلى أين؟ لا أعرف. كنت مدهوشاً، مذهولاً ومأخوذاً. وهذا وصف قليل، على ما أحسب. قليل جداً. أقرأ كأنني أركض. يمكنني أن أزعم، بلا أي دليل، أنني كنت ألهث. أم أن هذا ما شعرت به، حين أعدت قراءة الرواية قبل أيام، للمرة الثالثة، وليس ما أحسسته قبل 19 عاماً؟ ما الفرق حقاً؟ ما يمكن أن أؤكده هو أنني حين بدأت كان الوقت عصراً، وضوء النهار يدخل إلى غرفتي من شباكها الوحيد. وحين انتهيت، كان الظلام. وفي مرحلة ما، كنت أقرأ مكتفياً بضوء الشاشة الثقيل والمزعج. ثم، فجأة، شعرت بالجوع. جعت كأنني لم أكل شيئاً منذ سنوات. أحب لو أنني أستسهل القول إن الأدب العظيم جوّعني. أو أنه فتح نفسي وشهيتي. لكن، لا. لست من هؤلاء. أفضل أن أقول إنني في صغري هربت من دور العم بو مسعود، الذي يأكل ولا يشبع، إلى نموذج فلان الفلاني الذي يقرأ ولا يشبع. وهذا الجوع، المفاجئ، كأنه كان إرهاص تحول بدأ.
ما جرى بعد ذلك، أعتبره خيالاً تعدى على الواقع. قلت، من قبل، إنني لم توقف عن القراءة. وهذا ليس صحيحاً. كنت أبالغ فحسب. توقفت مرة واحدة، كانت عندما داهمني هذا الجوع. وقفت، واتجهت إلى باب الغرفة. كبست زر الإضاءة، القريب منه، وخرجت. كنت منوماً، كأن قوة خفية تحركني. لو أننا ركبنا كاميرا، في الكوريدور فوق باب الحمام، لرأيت نفسي أمشي باتجاه المطبخ كمن مشى على الماء، خفيفاً وبطيئاً. لا يرى ولا يسمع، مما يحدث حوله، غير ما كان يتردد في رأسه للتو من أثر القراءة. هذا الصوت نفسه، الذي سيرافقني في سنوات لاحقة، حين سأقرأ له مجدداً. الكتابة في الأساس صوت، والكاتب موقع. لكن هذا ليس موضوعنا. موضوعنا هو أنني وصلت إلى المطبخ، ولم أجد أحداً من أهلي في طريقي إليه. أين كانوا؟ لا أعرف، كأنهم اختفوا. فتحت البراد. أخرجت الخبز واللبنة والبندورة. فتحت رغيفاً. اقتطعت ربعاً منه، وأعدته إلى كيس النايلون، كما تفعل أمي. مرغت اللبنة بالملعقة. سأكتشف، لاحقاً، أن ما وضعته منها كان كمية مثالية، بما لا يدفعني إلى الشعور بالغثيان. لكن، هل كانت البندورة مقطعة سلفاً؟ لا أذكر. أفضل أن أدعي أنني اجتهدت أكثر، وجلبت سكيناً وصحناً وقطعتها شرحات صغيرة، بعد أن غسلتها. وضعت البندورة على اللبنة. رشيت قليلاً من الملح. كعفت أحد طرفي الرغيف، ولفيته. كانت سندويشة، نحيفة، بطول مسطرة مدرسية تقريباً.
اليوم الرابع
كانت أطيب سندويش في العالم. أو، على الأقل، أطيب سندويش لبنة. وأنا، في الأساس، لا أحب اللبنة كثيراً. طبعاً، لم أعرف قيمة ما صنعته يداي، إلا بعد أن عدت إلى غرفتي، بالتمهل نفسه، وجلست على الكرسي وتابعت القراءة، من حيث توقفت. وكانت أول لقمة. هل أكذب، إذا قلت إنني، فيما أكتب الآن، قادر على استعادة طعمها الخارق، تماماً مثلما شعرت به قبل 19 عاماً؟ جوابي هو لا. لا أكذب. لكن، لماذا أشعر بقدرتي على تذكر طعم مر على تذوقي له نحو عقدين من الزمن؟ هل لأن ذاكرتي تخلط بين ما كنت أقرأه، ويدهشني، وبين ما كنت أكله؟ لا أعرف. وليس مهماً. هذا ما حصل، وما أتذكره. تفسيره، الآن أو بعد قرن، لن يغير شيئاً. الذكرى مشحونة بالالتباس والأسئلة. وستبقى.
لا أعرف ماذا فعلت بعد انتهائي من قراءة الرواية. هل نهضت، ثم تسطحت على سريري القريب، وقد كنت متعباً وعيناي تؤلمانني بعدما أحمرتا مثل جمرتين صغيرتين؟ أو هل رحت أبحث عن مزيد من رواياته أو كتاباته وسيرته؟ أو، ببساطة، بقيت على كرسي أتأمل السقف أو الحائط الأبيض المواجه لي؟ لا ذكريات، أبداً، في هذا الشأن. لكن ما أعرفه، وما أعتبره مفارقة تستحق الذكر، أنه في المكان نفسه الذي كنت أجلس فيه، وعلى غالب مساحة هذا الحائط تحديداً، الذي أفترض أنني تأملته، ستقوم بعد سنوات قليلة من تلك الليلة مكتبة. هي مكتبتي الشخصية، التي ستبدأ رفوفها من بلاط الأرض وتنتهي عند السقف. هل هذه صدفة؟ أفضل أن أقول لا.
في كل حال، لن تكون «ليلة اللبنة والبندورة» المرة الأخيرة التي يجتمع فيها هذا المثلث: أدب الياس خوري، الأكل وأنا، بوصفي قارئاً. ما سأكتشفه، لاحقاً، خلال رحلتي مع أدبه، أن الطعام يحضر فيه بعمق ومزاج عال. ميل واضح، حفزني مرات إلى تخيل جمع ما كتبه في ما يشبه كتالوغ، سأسميه في يوم ما أو في حياة أخرى «وصفات طعام من أدب إلياس خوري». قد تكون «مملكة الغرباء»، والحال هذه، استثناءً وربما ليس الوحيد، رغم أنه يذكر فيها طنجرة فاصوليا ورز أكل منها الراوي ومريم، وجنود لبنانيون من الشمال، فوق خراب مطعم في بيروت اسمه «لوكولوس». لكنه يذكرها هكذا، كما لو أنها بلا أثر، ومن دون أي اكتراث، بعكس ما سيفعله في روايات أخرى. على أن هذا الاستثناء، في هذه الرواية، يعجبني أيضاً. إذ يمنح ربطي لها بساندويش اللبنة والبندورة هذه معنى آخر. كأنها رؤيا. أو، في تأويل آخر، كأنها جزء من فعل قراءة يستكمل الكتابة. ألا يقول، هو، شيئاً بهذا المعنى؟
أفكر أن الانتباه، عندي، إلى الطعام وإمكانية استبداله الكلام أسلوباً في التعبير بدأ من «باب الشمس». الكلام يخرج من الفم، والطعام يدخل إليه أو عبره. أي أنه تعبير معكوس، ربما، لكنه ممكن. ويناسبني تماماً. كان على الدكتور خليل أن يأكل البرتقال من الغصن الذي جلبته أم حسن من فلسطين، كما قال له يونس، بدل أن يتركه يتعفن على الحائط. «الوطن يجب أن نأكله لا أن نتركه يأكلنا. يجب أن نأكل برتقال فلسطين ونأكل فلسطين والجليل».
في «سينالكول»، كان نصري شماس يعتبر عجة البيض المقلي مع اللبنة والصنوبر «أطيب ترويقة في العالم». ابنه، كريم، يقول «كنت حمار، وقال يعني كنت أقرف من البيض مع اللبنة، وبعدين علمتني الأيام، وفهمت أن البيض باللبنة هي أطيب أكلة بالعالم، بفرنسا كنت كل ما نام مع مرا حس بطعمة اللبنة والصنوبر تحت لساني، بس هوني ما في لبنة، قال الفرنساوية عندهم ثلاثمية نوع جبنة، ومع ذلك ما بيعرفوا أطيب شي بالعالم، وكيف لما منغطس اللبنة بالزيت منشم ريحة الحياة، الحياة ريحتها خضرا متل زيت الزيتون». أذكر أنني صدقت الأب والابن. دخلت المطبخ مجدداً، وكانت أمي هناك. قلت لها أريد عجة البيض مع اللبنة والصنوبر. استغربت ورفضت. أصريت. قلت لها إنها أطيب ترويقة في العالم، وهذا مكتوب في الرواية. جلبت الكتاب وقرأت لها. وافقت. كانت النتيجة خيبة لا تصدق. غشني الأدب. كان، على ما هو دائماً، أحلى من الواقع. لا؟
الخاتمة الآن. في عام 1993، في مقابلة مع مجلة الآداب، سألكَ محاورك يسري الأمير سؤالاً كان طرحه الشاعر سعدي يوسف في نهاية مقالته عن «مملكة الغرباء»: «هل يحتمل السؤال عن الرواية أن تقوم الرواية عليه؟». أجبتَ أن يوسف «وقع في اللبس لأنه فهم من السؤال أنه مجرد سؤال، بينما كان السؤال لدي حيلة. الكتابة كلها حيلة. مشروع مملكة الغرباء لا تستطيع أن تجمع عناصره إلا بالحيلة (...). مملكة الغرباء في رأيي ليست سؤالاً حول الرواية بل هي رواية، بمعنى أنها تخبر حالة متكاملة الجديد فيها هو المزج العلني بين المتخيل والحقيقي، تحويل الحقيقي إلى ما يشبه المتخيل».
ما عدت، غالباً، بعد كل هذه السنوات، قادراً على تمييز الحقيقي من المتخيل. ليس في ما كتبته هنا أو لم أكتبه، أو في ما أتذكره وأتخيله فحسب، بل في وجودي نفسه في هذا المكان أيضاً. لا ضرر في ذلك، على ما أحسب. فهذه هي حيلتي في العيش. الكتابة جزء من الحيلة، بمعنييها، أيضاً. الحيلة، أي التحايل. والحيلة، أي القدرة، كأن نقول إن فلاناً واسع الحيلة. ورغم أن مخاطبة الموتى تبدو لي أسهل من مخاطبة الأحياء، كنت أحتاج إلى حيلة لأقول لكَ: ممنونك.
* العناوين الفرعية تمثل عدد الأيام التي امتدت عليها كتابة هذا النص.
فراسكاتي، إيطاليا | 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023
أذكر بدقّة عالية اليوم الذي دخلتُ فيه عالم الهجرة اللبنانية. أحفظه كما يحفظ المتزوّجون تاريخ زفافهم. لم يكن هذا التاريخ هو نفسه تاريخ وصولي من زغرتا (شمال لبنان) إلى تولوز في فرنسا. حصل ذلك بعد نحو 6 أشهر. كنتُ مدعوّة مع زوجي إلياس إلى سهرة لطيفة مع مجموعة من اللبنانيين المغتربين، وكانت المرّة الأولى التي ألتقي فيها عددًا من المغتربين دفعة واحدة. قبل ذلك، كنّا نستقبل في بيتنا أصدقاء يزورون فرنسا أو يزورون تولوز بضعة أيّام، لكنّ المغتربين فرادى ليسوا كالمغتربين جماعة.
لم أكن أعرف أنّ هذه المُحادثة العابرة مع مغترب لبنانيّ لا أعرفه ستكون بالنسبة إلي – وليس إليه بالطبع – محطّة في رحلتي التي يبدو أنّها ستكون طويلة مع الاغتراب. كنّا واقفين وجهًا لوجه، فسألته عن عمله، وعمّا إذا كان مهاجرًا جديدًا إلى فرنسا، فأجابني أنّه مغترب منذ أكثر من 20 سنة. قلتُ له عندها إنّني وصلتُ للتو من لبنان.
تحدّثنا عن أشغالنا وأخبرتُه أنّني أعمل كاتبة وصحافية مستقلّة. قال لي عندها إنّه حاول مساعدة أخته على الخروج من لبنان وفقًا لهذه الوضعيّة القانونيّة -أي كعاملة مستقلّة- لكنّ المسار لم ينجح. اقترحتُ عليه بعض الحلول، لعلّها تُفيده باستقدامها إلى فرنسا، لكنّه سارع وطمأنني: "لا لا خلص. غيّرت رأيها ما عاد بدها تهاجر. ركبت طاقة شمسيّة". أدار ظهره وراح يحدّث أشخاصًا آخرين.
جلسنا أمام سفرة لبنانيّة. كنتُ جائعة، وبطبيعة الحال مشتاقة للأكل اللبنانيّ، لكنّني لم أتناول لقمة واحدة، كأن شيئًا ما علق في حلقي. اقتربتُ من إلياس وهمستُ في أذنه: "بدّي قلّك شي"، ثم تابعت: "هيدي طاولة أرواح مُعذّبة". عندما قلتُ له هذه العبارة، سمعتُها أيضًا. سمعتُ نفسي أقولها. قبل ذلك، كنتُ أقولها في رأسي بلا صوت، لكنني عندما قلتها بصوت عالٍ أو بالأحرى همسًا في أذن زوجي، تذكّرتُ حكاية عن بيت مشهور جدًا في محيط بلدتنا الجبلية وعرفتُ لماذا خطرت لي هذه العبارة الشاعرية اللزجة دون سواها.
تقول الحكاية إنّ أرواحًا معذّبة تزور هذا البيت وتعبث به وتحرّك الأغراض وتصدر أصواتًا مرعبة، وأنّها تتحلّق حول طاولة السفرة وتطرق بالملاعق والصحون والطناجر النحاسيّة. البيت في هذه الحكاية مهجور، أي أنه بيت هجره أهله. أمّا الأرواح المعذّبة التي أتحدّث عنها في هذا النصّ، فهي قصة أهل هجروا بيوتهم. أفكّر الآن: ماذا لو سمّينا الأشخاص الذين يعيشون خارج بلادهم "مهجورين" بدلًا من "مهاجرين"؟ أليسوا هم أيضًا متروكين، وحيدين، كالبيت المهجور في محيط بلدتنا الجبلية؟ أليسوا هم أيضًا مشوّشين غير قادرين على نيل السكينة؟
منذ اندلاع الحرب على غزّة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أفكّر أنّنا لو كنّا لا نزال في تولوز، إلياس وأنا، لكنّا قد فتحنا بيتنا الصغير في وسط المدينة للأصدقاء المعنيّين بما يجري لكي نبكي فيه معًا، لكي لا يبكي كل منّا في شقّته الصغيرة أو يغضب أو يشتم الشاشة وحيدًا. في كلّ مرّة أتحدّث فيها مع أصدقاء من المغتربين اللبنانيين والعرب في أوروبا أو أميركا، يحدّثونني عن مشاعر الوحدة والعزلة التي ترافق الغضب والحزن والعجز أمام مشاهد المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الفلسطينيّين.
لكنّنا لم نعد في تولوز. انتقلنا للعيش في قرية في محيط روما في إيطاليا. عندما أخرج لأمشي فيها، أفكّر في أنّني الوحيدة من بين كلّ الناس حولي التي تملأ رأسها صور الخراب والدماء والأشلاء.

لا تطوف فوق رأسي ورؤوسهم الغيمة نفسها. مررت في ساحة القرية يوم الأحد الماضي، وكانت بسطات محالّ الخضار والفواكه مغطّاة بورق أبيض يحميها من المطر. للوهلة الأولى، تخيّلتُها أكفانًا، ثم انتبهتُ أنّني الوحيدة في هذه الساحة التي تتخيّل الليمون والتفاح جثثًا. تأكّدتُ مرّة أخرى -ولو لم أعد أبحث أصلًا عن دلائل- أنّنا وحيدون هُنا.
أمشي في القرية التي انتقلنا إليها منذ شهر واحد -أي قبل أيّام من إطلاق عملية "طوفان الأقصى" والعدوان على غزّة- وأقول إنّنا نملك نعمة التنزه في الطبيعة على الأقل. نخرج كلّ يوم مرّة واحدة من البيت للمشي في أرجاء القرية أو لاحتساء فنجان قهوة في أحد مقاهيها أو لشراء الحاجيات. وعندما يسألنا أحدهم عن الحياة في إيطاليا، أفكّر في صور المجازر والخراب التي نشاهدها عبر شاشة اللابتوب والبث المباشر للفضائيات. هذا كلّ ما أعرفه عن الحياة في إيطاليا لغاية اليوم، ثم أنتبه: ماذا نفعل في إيطاليا إذا كنّا منشغلين بأمور لا يبدو أنها تشغل الطليان؟ ألا يجدر بالناس التي تعيش مع بعضها بعضًا أن تنشغل بالأمور نفسها؟
عندما أتعب من التحديق بالشاشة، أنزل إلى ساحة البناية وأجلس على مقعد خشبيّ تحت الشجرة. أفكّر في الأرواح المعذّبة حول مائدة العشاء، كما أفكّر في كلّ الأرواح المعذّبة التي التقيتُها طوال سنوات هجرتي الثلاث. يحزنني السعي الدائم لدى المغتربين لشرح وتبرير أنفسهم، ويحزنني أكثر سعيهم الدائم لإثبات استحقاقهم هذه الفرصة العظيمة التي أتاحها لهم الغرب بفتح أبوابه لهم. حتى الأشخاص الذين عاشوا أكثر من 40 سنة في الاغتراب، وأنجبوا في بلاد الاغتراب أطفالًا أنجبوا بدورهم أطفالًا، لا يزالون يجتهدون ليثبتوا للغربيّين أنّهم استحقّوا تأشيرة الدخول التي مُنحوا إيّاها منذ عقود.
لا يترجم المغتربون أفكارهم فحسب كما كنت أتخيّلهم. كنتُ أتخيّلهم مجرّد مترجمين فوريّين عند أنفسهم، أي أنّهم يفكّرون بالعربيّة وفورًا يترجمون الأفكار إلى اللغة الأجنبية قبل أن يقولوها على مسمع الآخرين، لكنّني انتبهتُ أنّهم يترجمون أرواحهم، كلّ يوم، كلّ الوقت.
في إحدى المرّات، أخبرتني صديقة لي أن زميلتها الفرنسية أخبرت الجميع في المكتب أنّ أمّها صفعتها مرّة واحدة على خدّها عندما كانت مُراهقة. أخبرتهم الحكاية كاملة وضحكت كثيرًا عندما جاءت على ذكر بعض تفاصيل الحادثة. قالت لي صديقتي، معلّقة على ذلك، أنّ من المستحيل أن تحكي قصّة مشابهة لو كانت قد حصلت معها، فهي، بصفتها عربيّة في أوروبا، موصومة أصلًا بالبربريّة، ويُنظر إليها كامرأة مقموعة ومسحوقة وضحيّة للعنف إلى حين إثبات العكس.
قالت لي صديقة أخرى إنّها، في أوروبا، تشعر بأنّها مسؤولة عن الإسلام كلّه. أفصحت لي أنّها تريد أن تغيّر نظرة الغربيّين إلى الإسلام. هذا عمل شاقّ. هذه هي ترجمة الروح: سلسلة لامتناهية من "الفلاتر" والرقابة الذاتية ترافق عمليّة الترجمة من اللغة العربيّة إلى اللغة الأجنبية، لكي تخرج الكلمات كالمياه الصافية المكرّرة، لا تشوبها شائبة، ولا تزعج معدة الغربيّين.
المغترب الجيّد هو المغترب اللا-مرئي، إمّا لأنه يتكوّر على نفسه بحيث يُصبح كذرّة الغُبار: موجودة إنمّا لامرئية، ولا تزعج أحدًا ما دامت منفردة، وإمّا لأنه يكون على سجيّته طوال الوقت، لكنه لا يخرج من قوقعته أصلًا، فلا يراه أحد، لا على سجيّته ولا على سجيّة غيره، وإمّا لأنّه يمعن في محاولات الاندماج، فيصبح شبه منصهر في الجموع، حتّى إذا التقاه أهله لا يعودون يعرفونه. مشكلة الفرضيّة الأخيرة أنّ الاندماج -وهو طبيعي- ليس كالاستفحال بالاندماج، وأنّنا كلما استفحلنا بمحاولة الاندماج، انزلقنا نحو الخضوع.
أعرف لماذا خطرت لي عبارة "الأرواح المعذّبة" دون غيرها. أرواح معذّبة لأنها في حركة دائمة، ولأنها غير مطمئنّة وغير مُستكينة إلى ما هي عليه. أرواح تحاول بشكل مستمرّ أن تثبت حقّها بالوجود، وحقّها تحديدًا بالوجود على أرض هذه القارّة، كضيف ثقيل يعرف أنّه غير مرحّب به، فيحاول أن يعوّض لأهل البيت بإسداء الخدمات لهم: لا يتكلّم إذا لم يتوجّه إليه أحد بالكلام، ويصرّ على أن يجلي الصحون بعد الأكل، وربما أيضًا يلمّع الثريّات. لِمَ لا؟
ديناميكيّة العلاقات بين طرفَين، أيّ طرفين، تتطلّب تموضعًا من الاثنَين: الفَوقيّة التي يتعاطى فيها أحدهم مع الآخر تتطلّب من الآخر هذا قبول التموضع في الخانة المقابلة، أي الدونية. أتابع التغيّر الذي حدث منذ بدء عملية "طوفان الأقصى"، لا سيما فيما يتعلّق بتصويب ديناميكية العلاقات بيننا وبين الغرب، وكأننا نحاول استعادة العلاقة من توازن الفوقيّة-الدونيّة إلى علاقة من الندّ للندّ.
أفكّر في الناشطة رحمة زين في رفح التي واجهت مراسلة قناة سي. إن. إن. على حدود غزّة واستدعتها قائلة: "تعالي وكلّميني كبني آدمة، سمعتك، والآن أنتِ تسمعينني". أفكّر في الـ"أحّا" التي أطلقها الإعلامي المصري باسم يوسف في حديثه إلى المذيع البريطاني بيرس مورجان غير آبه بما إذا كان الغرب سيفهم عليه، وغيرهم كثر ممن توقّفوا عن تطويع خطاباتهم لتناسب الغرب.
أفكّر في أنّنا طوّعنا أنفسنا لوقت طويل، وأنّنا استفقنا. هكذا، بهذه البساطة. أفكّر بشعوري عندما سمعت هذه المقولة في لقاء في تولوز عنوانه "المنفى والعلاج النفسي التحليلي": "كلما استفحلنا في محاولة الاندماج، انزلقنا نحو الخضوع". تلقّى رأسي هذه الجملة كمرهم على الجرح أو كضوء أخضر ليسكن ويرتاح.

في شهري الأخير في مدينة تولوز، وفي فرنسا بشكل عام، صرتُ أفكّر في الأشياء التي جعلت حياتي هنا حياة. في البداية، فكّرت في الصداقات التي بَنَيتُها مع الأصدقاء في هذه المدينة. عدد من هذه الصداقات سيبقى خاصًّا بالمدينة، وعدد أقل سأصحبه معي أينما ذهبت؛ هؤلاء هم الأصدقاء بالمطلق الذين لا تتعلّق صداقتي بهم بالمكان ولا بالجغرافيا.
بعد ذلك، انتبهتُ أن هناك أمراً آخر يجعل الحياة هنا حياة؛ أمراً آخر غير الأصدقاء: الناس الذين ألتقيهم كلّ يوم، والذين لا أعرف أسماءهم ولا يعرفون اسمي بالضرورة، لكنّنا نعرف بعضنا بعضاً. هؤلاء هم ناس الحياة اليومية، يصنعون، مع الأماكن المألوفة، يوميّات الحياة العادية.
في آخر شهر لي في مدينة تولوز، التقطت سلسلة من الصور الفورية لأشخاص وأماكن توثّق حياتي اليومية في تولوز ونشرتها تحت عنوان "يوميات الحياة العادية"، انطلاقًا من اهتمام مجاز بالحياة اليومية والناس العاديّين. (نشرت هذه النصوص تباعًا في حسابَي مجاز في إنستاغرام وفيسبوك، وجمعتها لاحقًا في هذه المدوَّنة).
عدتُ في أحد الأيّام من السوق بعدما مررت بدكّان عمر للخضار والفاكهة. لم أكن أعرف اسمه بعد (سألته عنه البارحة عندما التقطتُ له هذه الصورة). في البيت، قلتُ لزوجي إنّ جارنا "الخُضرجي" سيقفل دكّانه لشهر كامل، لأنه ذاهب إلى الجزائر لقضاء عطلة الصيف، وليرى أمّه ويمضي بعض الوقت معها، لأنّ العائلة أهمّ شيء في الحياة. سألني زوجي عندها: "إنتِ شو عرّفك بكلّ هيدا؟"، فقلتُ له إنّني سألته عن العطلة، وحدّثته فحدّثني، وأخبرني كل هذه الأخبار.
أقرأ أحيانًا جملًا واقتباسات يشاركها البعض في مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أنّ أهمّ المحادثات هي المحادثات العميقة التي تتناول مواضيع الحياة والمستقبل والوجود، والتي تجريها مستلقيًا تحت النجوم أو على شاطئ البحر وما إلى ذلك.

هذه المحادثات مهمّة طبعًا، لكنها لا تلغي أهميّة المحادثات الصغيرة بين الناس عن الطقس والمدينة والعائلة والأولاد والعمل وغلاء الأسعار. على العكس تمامًا. قرأت مرّة مقالًا عن اختفاء المحادثات الصغيرة من عالمنا، لأننا عندما نكون في انتظار رحلة في القطار أو خلال الوقوف في الطابور أمام الفرن أو في قاعة انتظار، يتصفّح كلّ منا هاتفه بدلًا من التحدّث إلى الآخرين.
انتبهتُ عندها أنّني فعلًا أحب المحادثات الصغيرة مع الناس، وأنّني أجد من المستغرب جدًا أن ألتقي عمر كل يوم، وألّا أعرف عنه شيئًا، ولا يعرف أيضًا شيئًا عنّي.
إيفا هي جارتي في البناية القديمة. "جارتي" و"البناية القديمة" كلّها كلمات لم أتخيّل يومًا أن أقولها هنا في فرنسا، وذلك بسبب الأحكام المسبقة التي نكوّنها عن شكل العلاقات في أوروبا. بعض هذه الأحكام صحيح، والجزء الأكبر منها مبالغ فيه جدًا. المهمّ في هذا كلّه أنّني لم أتخيّل أوّلًا أن تكون لي جارة في تولوز، وثانيًا أن أعيش ما يكفي من الوقت في هذه المدينة بشكل يسمح لي أن أحكي عن بيت في البناية القديمة وآخر في البناية الجديدة.
تعرّفت إلى إيفا في ردهة الطابق السابع من البناية. كنتُ أقف مع زوجي، وكانت مع حبيبها، كلٌ أمام باب بيته. قلنا لبعضنا بعضًا: "بونسوار"، ثم أدرنا ظهرنا عائدين إلى شقّتَينا. في اللحظة الأخيرة، قلتُ لنفسي: "بحكي أو ما بحكي؟"، ثم استجمعتُ قواي ودعوتهما لشرب شيء ما عندنا: قهوة أو شاي أو كأس من الكحول. لا فرق.

وافقا، فسرنا معًا نحن الأربعة إلى غرفة الجلوس عندنا وتحدّثنا مطوّلًا. بعدها، قاما بدعوتنا إلى العشاء في شقّتهما، فخبزت "كيكة" وأخذتها معي. أثناء العشاء، عرفتُ أنّ عيد ميلاد إيفا يصادف هذا الأسبوع، فارتجلنا احتفالًا، وأضفنا شمعة إلى قالب الحلوى.
بعد ذلك، دعوناهما إلى بيتنا، وحضّرنا لهما طبقًا لبنانيًا. كانت هذه الدعوات إلى مشاركة الطعام بيننا جميلة جدًا، لكنّ الأجمل منها كان يحدث بين الدعوة والأخرى لا أثناءها: كنّا نتبادل صحون الطعام بيننا بلا مناسبة. إذا حضّر الواحد منّا قالبًا من الحلوى، كان يرسل إلى الآخر حصّة منه. وإذا أرسلت والدة حبيب إيفا حلوى من المغرب، كانا يرسلان إلينا حصّتنا منها. تبادل الصحون هذا بيننا ذكّرني بجدّتي التي كانت ترسل معنا، أختي وأنا، عندما كنا صغيرتَين، صحونًا من الطعام للجيران.
علّمتني الهجرة مرّة ثانية أن الصداقات تُبنى على مهل. في فرنسا، لم يعد بناء الصداقات أمرًا عاديًا لا أنتبه له، بل صرت ألاحظ كيف نعمّر الصداقات كما نعمّر بيتًا. انتبهتُ بوضوح أكبر لذلك عندما قارنت علاقاتي بالناس هنا عند لقائنا في المرة الأولى بعلاقاتي بهم الآن وأنا أودّعهم للمرّة الأخيرة.
بحثتُ عن ليا طويلًا قبل أن أجدها. منذ أن قررتُ أن أترك شعري على سجيّته مجعّدًا ومتطايرًا حول وجهي، انتبهتُ إلى أنّ قصّ الشعر على الناشف أفضل من قصّه وهو مبلّل وأملَس. بهذه الطريقة، أخرج من الصالون وأنا أعرف تمامًا كيف سيبدو شعري كلّ يوم بعد أن أخرج من الحمّام.
وجدتها أثناء بحثي الطويل عن صالون لتصفيف الشعر في مدينة تولوز. كيف أعيش في مدينة وأسمّيها مدينتي من دون أن يكون لي فيها مصفّف(ة) للشعر؟ قصصت شعري قصيرًا للمرّة الأولى في صالون ليا منذ سنتين بالتمام، في أيلول/سبتمبر عام 2021، وصرت أزورها بشكل دوريّ لأنني أقصّ شعري كلّ مرة عندما يكاد يطال كتفَي. هذا كلّه لأقول إنني زرتها كثيرًا، لكنّني لم أجدها فعلًا ودودة إلّا البارحة عندما زرتُها لكي أقصّ شعري مرّة أخيرة قبل مغادرة تولوز ولكي ألتقط لها هذه الصورة..

بدت لي ودودة أكثر من العادة، وراحت تحدّثني وتسألني عن طبيعة عملي وعمل زوجي، وبدت متحمّسة أكثر منّي ومنه لوجهتنا المقبلة.
قبل ذلك، كانت لطيفة بدرجة عاديّة. كنت في الحقيقة حذرة في التعاطي معها، لأنها أوحت لي بأنّ خلقها ضيّق. في إحدى المرّات، كانت تقصّ شعري عندما دخلت شابّة أجنبيّة تتحدّث بفرنسية غير متقنة لتطلب موعدًا منها، فسألَتْها: "شو بدّك تعملي عالمزبوط؟"، فقالت لها الشابة إنّها لا تعرف تمامًا ماذا تريد أن تفعل بشعرها، لكنّها سئمت منه وتحتاج إلى بعض التغيير في مظهرها. أعتقد أنّ الشابة كانت تحتاج إلى أن من يقول لها إن هذا الموديل يليق بوجهها أكثر من غيره أو هذه الصبغة تناسب لون عينيها لا أكثر.
لكنّ ليا أجابتها بشيء من العصبيّة: "لا، أنا هيدا ما عندي منّو، ما فيكي تاخدي موعد ومش عارفة شو بدّك، كيف بدّي أعرف شو أعملّك"، ثم تابعت: "بعدين هيدا راسك مش راسي، إنت اللي آخدتي معك عالبيت مش أنا".
ارتبكت الصبية واستأذنت وخرجت من الصالون. التفتت إليّ ليا وتأفّفت منها. لم أقل لها شيئّا لأنها كانت تحمل مقصًّا فوق رأسي.
ذهبت مرّة إلى صالون آخر في تولوز. لم تكن النتيجة سيئة أبدًا، لكنّني اشتقتُ إلى ليا. أنا وصديقتي سُهى، التي تتردّد أيضًا إلى صالون ليا، نسمّيها "ليّول" أو "الستّ ليّول"، لأنها تفعل وتقول ما تريد ونعود إليها في كلّ الأحوال.
اليوم الرابع من سلسلة "يوميات الحياة العادية" لا يحكي قصّة شخص، بل قصّة مكان: مكتبة "أومبر بلانش" في وسط المدينة؛ أكبر متجر لبيع الكتب في تولوز. شكّلت منذ اليوم الأول لوصولي إلى تولوز جزءًا من حياتي اليومية والعادية في هذه المدينة.
لم أتعرّف إلى الموظّفين فيها، لكنّ وجوه بعضهم أصبحت مألوفة لي. أحدّث أحدهم فقط عندما لا أجد كتابًا في المكان الذي أتوقّع أن أجده فيه. يُجيبني عن سؤالي وينتهي الحديث هنا. أمّا الوقت الباقي، فليس للناس في المكتبة، بل للكتب.
أدخل أحيانًا إلى المكتبة بلا غاية محدّدة، لمجرّد أنّني مررت أمامها كأنني ألقي التحية عليها، أو لأنني لا أعرف أين أذهب ولا وجهة معروفة لديّ. أدخل إليها في الربيع والصيف، وأشرب فنجان قهوة بالحليب في المقهى الصغير في باحتها الخلفية. لون الكراسي مع أشعّة الشمس فيها "يفتح القلب".
في إحدى المرّات، قال لي صاحب مكتبة أخرى: "الكتاب اللي ما بتلاقي بمكتبة "أومبر بلانش"، ما تتعذبي تفتّشي عنّه بباقي مكتبات المدينة."

عندما التقطتُ هذه الصورة الفَوريّة لصاحب المقهى، فكّرتُ بيني وبين نفسي أنّه لا يعرف شيئًا. لا يعرف شيئًا عن العلاقة التي تجمعنا، مجاز وأنا، بمقهاه. لا يعرف أنّ المقهى الذي أسّسه مع والديه في آذار/مارس 2022 شكّل محطّة من محطّات المشروع الذي أسّسته في نهاية العام نفسه. لم أقل له شيئًا، لكنني سألته عن اسمه، فأجابني: كريستوف.
أطلقتُ أوّل عدد من مجاز في هذا المقهى. لم يكن اشتراك الإنترنت قد فُعِّل في بيتنا الجديد. لذلك، كنتُ ألجأ يوميًّا إلى مقهى "كوبي". جلستُ على مقعد أمام طاولة صغيرة عليها اللابتوب وفنجان قهوة بالحليب، وقمتُ بتحميل العدد والفيديو الذي يرافقه. ضغطتُ على زرّ "النشر"، ولم أنجح في تحميلهما. لسبب ما، كان الإنترنت معطّلًا في المقهى. توتّرتُ كثيرًا وبكيتُ لأنّني، في رأسي، كنتُ مقتنعة بأنّ المشروع بأكمله سيفشل إذا تأخرت في إصدار العدد في الوقت الذي حدّدته لنفسي.

تنقّلتُ وحاسوبي وفنجاني ودموعي من مقعد إلى آخر بحثًا عن إرسال أفضل إلى أن تمّت العمليّة بنجاح.
بعدها، أصبح لدينا إنترنت في البيت الجديد، لكنّني واظبتُ على ارتياد "كوبي" للعمل، ربّما لأنني بكيتُ مرّة فيه، وربّما لأنّه قريب جدًّا إلى البيت، وقهوته لذيذة، والكيكات التي يحضّرها تبدو كعناقٍ في فمي، ولأن الموسيقى رائعة، وضوء الشمس على حيطانه الزرقاء تدفئ القلب.
في الفترة الأولى التي تلت افتتاح المطعم، كنّا نقول إنّنا سوف نتغدّى أو نتعشّى في مطعم "شيه تيتا"، وتعريبه الحرفيّ من الفرنسيّة هو: "عند جدّتي". كان هذا في الفترة الأولى. بعد زيارتنا للمطعم في المرة الأولى، ثم الثانية فالثالثة، تغيّر اسمه بالنسبة إلينا. صرنا نقول: "رايحين عند محمّد"، حتّى إنّنا أصبحنا نروح ونجيء عند محمّد -صاحب مطعم "شيه تيتا"- من دون أن نتغدّى أو نتعشى. صرنا نزوره بلا سبب، سوى أنّنا على مقربة من المطعم، أو لأننا ببساطة نودّ أن نسلّم عليه أو أن نشرب القهوة معه، لا عنده.
في المطعم عند محمد، ختمنا بحثنا عن مطعم لبنانيّ حقيقيّ في تولوز: "ورق العنب بزيت" كما تحضّره جدّتي، والطاولات أكثر عرضًا من طاولات المطاعم الفرنسيّة الصغيرة التي لا تناسب شكل السفرة اللبنانية وصحون المازة التي يتشاركها الناس، وصوت فيروز الذي يملأ المكان.

الأهمّ من هذا كلّه أن محمد يستقبلنا بنفسه، أو بالأحرى "يتأهّل" بنا.
في البداية، حدّثته عن مجاز، فتعرّف إلى المشروع، وقرأ قصص العدد صفر عن الاغتراب. بعدها، صرنا نتحدّث عن مجاز بشكل أعمق، ونشرب القهوة معًا لنتبادل الأفكار بشأن تطوير المشروع، ولا سيما صناعة الفيديو؛ مهنة محمّد الأولى.
في المرّة الأخيرة التي تناولنا فيها طعام العشاء عند محمّد قبل رحيلنا من تولوز، كان صوت فيروز يملأ المكان كالعادة. كنت أعتقد في السابق أنّ المغتربين يبالغون، لكنها حقيقة: لا أستطيع الاستماع إلى كل أغانيها في الغربة لأنها تحزنني.
تحزنني جملة: "سنرجع يومًا إلى حيّنا"، رغم أنّني لم أكن أنتبه لها عندما كنت أسمعها في لبنان. سمعتها في تلك الليلة في المطعم عند محمّد، وشعرت بأنّ الهجرة من تولوز، ومن مطعم "شيه تيتا" اللبناني في تولوز تحديدًا، ستكون هجرتي الثانية من لبنان.
للوهلة الأولى، كدت أكتب عنوان اليوم السابع "البيت القديم" بدلًا من "البيت"، لكنّني انتبهت بسرعة أنّ بيتنا في حيّ "المينيم" في تولوز ليس بيتنا القديم، بل بيتنا الوحيد في هذه المدينة. البيت الجديد الذي انتقلنا إليه في أواخر عام 2022 ليس بيتًا، لأنني لم أحبه، ولم أشعر يومًا فيه بأنّني في بيتي. سأفعل كما يفعل الفرنسيون، أي أنّني سأسمّيه شقّتنا بدلًا من بيتنا.
في فرنسا، ليس كل منزل بيتًا. إذا كان الواحد منّا يسكن في استوديو، فسيقول إنّه يعيش في استوديو، وإذا كان يسكن في شقّة، فسيقول إنّه يسكن في شقّة. أمّا البيت، فهو البيت المنفرد الذي كنّا نرسمه على ورقة بيضاء عندما كنّا صغارًا: مكعّب يعلوه مثلّث، له شبّاكان كعينَين وباب واحد كفَمٍ.

في حيّ المينيم، كنّا نسكن في شقّة، لكنّني كنت -ولا أزال- أسمّيها بيتنا. لا بدّ من أنّ الفرنسيين الذين قابلتهم وقلت لهم إنّنا نعيش في بيت في "المينيم" ظنّوا أنّنا فاحشو الثراء. "معليش".
لم أعتقد يومًا أنّني سأحبّ الحيّ إلى هذه الدرجة، حتى إنّني كنت أشعر بأن قلبي يفتحُ عندما نعود من سفر ما ونصل أخيرًا إليه. كانت أمّي تقول إنّ قلبها يفتح عندما تعود من بيروت إلى زغرتا، كأنه يكون مغلقًا عندما تخرج من بلدتها.
كنت أحبّ العودة إلى "المينيم"، وأحبّ الساحة الواقعة في قلب الحيّ التي يتجمّع فيها الأشخاص نفسهم كلّ مساء. اعتدتُ وجود عازف يلعب الموسيقى كلّ يوم أمام الجمهور نفسه المؤلّف من ثلاثة أو أربعة أشخاص. هم أيضًا نفسهم، يجلسون على مقعد مثبّت بالأرض. ربّما لا يتغيّرون من يوم إلى آخر لأنهم كالمقعد؛ ثابتون مكانهم.
في الساحة نفسها، كنت أطلب بيتزا من "الفان" الذي يُركن كلّ يوم في الحيّ نفسه، كأنّه هو أيضًا ثابت في الأرض بلا دواليب تنقله من مكان إلى آخر. كان بإمكاننا أن نحصل على بيتزا مجّانًا بعدما نكون قد اشترينا 10 علب من البيتزا، واحتفظنا بقصاصة ورق صغيرة من كل علبة، لكنّنا -للأمانة- لم نأكل الكثير من البيتزا. لم نكن نحتفظ بالقصاصات أصلًا، ربما لأننا لم نكن نريد أن نعدّ البيتزا على أصابعنا.
كنتُ أريد أن تكون لي صديقة في تولوز؛ صديقة أكتب لها رسالة نصيّة قصيرة من كلمتين: "أينَ أنتِ؟"، فتجيبني: "بالبيت، تعي"، فنلتقي بهذه البساطة. أطرق باب بيتها بلا أن أكتب لها حتى: "أوكي، جايي". أتمدّد على سريرها أمام الشباك، وتجلس على الكرسي قبالتي. أفتح علب الشوكولا وآكل ما أريد منها، حتى إنّني أضيّفها من العلبة كأنّها هي ضيفتي.
في بلاد المهجر، تُبنى علاقات الناس برعاية "غوغل كالِندر": ترسل رسالة إلى صديق في شهر تمّوز/يوليو. تطمئن إلى حاله، وتسأل عن أخباره، ثم تتفق معه على اللقاء يوم السبت في الثاني من شهر أيلول/سبتمبر في تمام السادسة مساءً. لا أبالغ، فالكلّ مشغول، والكلّ يسافر كثيرًا، ويتنقّل كثيرًا، ويعمل كثيرًا، والمسافات بعيدة. عندها، تُضطر إلى ترك ملاحظة على روزنامة هاتفك ليذكّرك بالموعد الذي ضربته مع صديقك بعد شهر وأسبوع، لكنّني وجدتُ سُهى.

وجدتها على "إنستغرام"، ثم تواعدنا للمرّة الأولى على "سْطَيحة" في الطابق الرابع من متجر كبير وسط المدينة يبيع كلّ شيء.
كان اللقاء بيننا خجولًا. كنّا في بداية هجرتنا إلى فرنسا، وفي بداية خروجنا من الحجر الصحي بعد جائحة كوفيد 19. صرنا نلتقي بعدها بوتيرة متباعدة، إلى أن أصبحنا نتحدّث كل يوم ونلتقي تقريبًا كل يوم. نلتقي نحن الثلاثة -الياس زوجي وسُهى وأنا- يوم الأحد في بيتنا. نطبخ معًا، ونأكل معًا، ونتحدّث كثيرًا، ونضحك أكثر، ونسخر من بعضنا بعضًا بلا نقطة خجل. أرافقها إلى مواعيد الطبيب، ونتشارك صالونًا واحدًا لتصفيف الشعر –صالون الست ليّول– ونطبخ لها طبخات تحبّها، فيما تحضّر لنا حلويات بيروتية لم نسمع باسمها من قبل. نهوّن على بعضنا بعضًا الطريق.
كنتُ أريد أن تكون لي صديقة في تولوز، لكنني كنت قد نسيت كيف تُبنى الصداقات، وكيف تأخذ وقتها ككلّ العلاقات الأخرى، وككلّ شيء في هذه الحياة. في إحدى المرّات، كان بيتنا الصغير يعجّ بالناس بشكل عفويّ: الياس وصديقنا الحوراني يحضّران لنشاط على طاولة المطبخ، وسُهى وأنا على الكنبة في غرفة الجلوس نبحث في شياكة الفرنسيات وذوقهنّ الرفيع في اللباس، ثم أتى صديقنا عثمان لزيارتنا على غفلة وبيده علبة ماكارون (حلويات فرنسية).
في ذلك اليوم، قالت لي سُهى شيئًا لا أذكره، وأنهت جملتها بـسؤال: "ما هيك يا أورنيليتا؟"، فأجبتها: "مبلى هيك يا توتي"، ثم نظرنا إلى بعضنا بعضًا، و"غشينا" من الضحك في اللحظة نفسها. يومها، عرفتُ أننا سنبقى صديقتين إلى الأبد.
بعضٌ من يوميات حياتي العادية في تولوز، وفي أي مكان بعيد من لبنان، يحدث على شاشة التلفون. أتصل بأختي التي تعيش مع زوجها وولدَيها (صبي عمره 6 سنوات، وطفلة عمرها سنة ونصف سنة) في لبنان عبر فيديو واتسآب، وأسألها فورًا: "وين ولادي؟". تقول لي إنهما في المدرسة أو مع والدهما أو نائمان.
تسألني: "هل تريدين التحدّث إليَّ أنا مثلًا بدلًا منهما أو نقفل الخطّ؟". أقول لها ممازحة إنّني سأتحدّث إليها، إنما على مضض.
يركض ابنها عندما يسمع صوتي يصدح من الهاتف، وأنا، عندما أرى وجهه، أصرخ له: "ماما، ماما" تحبُّبًا، لأنني أحسبه ابني أنا أيضًا، وامتدادًا لعائلتنا الصغيرة المكوّنة من أم وأب وطفلتَين، أختي وأنا. تسمعني فرنسا كلها عندما أعدّد له أسباب حبّي له ولوجهه الجميل وللشامة التي تعلو جبينه.

إذا كنتُ في الطريق، يرمقني الفرنسيون بنظرة غريبة؛ ففرنسا بلد ساكتٌ، أيّ أن أصوات الناس فيها خافتة. أحسب فرنسا مكتبة كبيرة للدراسة ممنوع فيها التحدّث إطلاقًا، لا بصوت مرتفع، ولا حتى بالهمس، لكنّني أحب ابن أختي وابنتها حبًا صاخبًا كحبّ جدّتي لنا عندما كنّا صغيرتين. كانت تدلّلنا بصوت عالٍ جدًا، إلى درجة أنّها، في إحدى المرّات، أقلقت جارتها التي جاءت إلينا مسرعةً لاعتقادها أنّ شيئًا ما أصابنا.
أطمئنّ لكون ابن أختي يعرفني جيدًا ويحبّني. أمّا أخته، فولدت عندما كنت قد هجرتُ لبنان منذ أكثر من سنة. لم أر وجهها في يومها الأوّل على وجه هذه الأرض. رأيتُ صورًا لها على شاشة تلفوني. عندما أرى وجهها على الشاشة، أصرخ لها: "ماما".
منذ بضعة أيّام فقط، أجابتني للمرّة الأولى بـ"ماما". قالت لي أختي إنها لا تقول "ماما" لأحد، حتى لها هي؛ أمّها التي أنجبتها. طلبتُ من أختي أن تهمس لها كل ليلة قبل أن تنام أنّ خالتها تحبّها كثيرًا، لكنّ أختي طمأنتني قائلة: "لا تقلقي، الأطفال يعرفون من يحبّهم حقًا"، ثم أضافت: "الأطفال يعرفون أيضًا من تحبّ أمهم، ويحبّونه بدورهم بشكل طبيعي".
كنت أُسألُ كثيرًا عمّا جاء بي إلى تولوز: الدراسة أو العمل أو الهجرة؟ فأجيبُ أنّني جئت إلى تولوز بدافع الحبّ. إجابتي هذه كان يليها سكوت أو ضحكة. الحبّ وحده لا يبدو دافعًا كافيًا، فأستفيض في التحدث عن عمل زوجي وعن قرار الارتباط به رغم أنّنا لم نكن نعيش في البلد نفسه.
لو قلتُ إنّني هاجرتُ لمتابعة الدراسة أو لقبول عرض وظيفيّ براتب أعلى أو للبحث عن أفق جديد، لما اضطررتُ إلى الشرح. أذكُر اليوم الذي خطرت لي هذه الفكرة البسيطة: متى أصبح الترحال لدوافع اقتصادية أعلى شأنًا من الحبّ؟
في الأشهر الأولى في فرنسا، لم أكن قد أسّستُ مجاز، ولم أكن أعمل في الترجمة والكتابة بعد. كنتُ أقرأ روايات، وأمشي في المدينة، وأتمدّد على العشب في الشمس، وأخبز كيكة مرّة في الأسبوع.

كنتُ أمضي وقتًا طويلًا في المطبخ مع زوجي: نشرب النبيذ بينما يطبخ. يحملني فأجلس بجانبه على المنضدة لنتحدّث ولأقرأ له تعليمات الوصفة من كتاب "مذكّرات مطبخ تولوز-لوتراك" الذي أهدتنا إيّاه صديقة لمناسبة زواجنا.
كانت هذه المرحلة من أجمل مراحل حياتي، لكنّني لم أستمتع بها بالكامل إلا عندما انتبهت أنّه يحقّ لي ألّا أكون منتجة، وأن أتخذ خيارات كبيرة بدافع الحبّ فقط. بعد مرور سنتين، قرأتُ كتابًا عن الحبّ للكاتبة النسوية الأميركية بيل هوكس. تقول في مقدّمته إنّ الحبّ لم يعد ذريعة قويّة، ولا يجرؤ أحد على البوح بحاجته إلى الحب، وأنّها حين تبوح بذلك للمقرّبين إليها، يسارعون في الرد عليها بخطاب عن أهميّة الاكتفاء بالذات وحبّ الذات وتطوير الذات. كلّ مرّة عندما تتحدّث عن الحبّ، يضحك الآخرون عليها. الحبّ ساذج وسخيف.
لكنّني انتبهتُ إلى أنّ الحبّ مهمّ، وانتقلتُ إلى تولوز، وبعدها إلى روما، بدافع الحب. أحبّ أن أنام بجانبه، وأن أستيقظ بجانبه، وأن أقنعه في الصباح بألّا يذهب إلى المكتب لكي نشرب القهوة معًا "على البلكون عَ رواق". أجمل ما في الأمر أنه يقتنع ويبقى، فنشرب القهوة معًا، ونتحدّث كأنّنا لم نرَ بعضنا بعضًا منذ 70 يومًا، ثم نمضي للعمل على طاولة السفرة.
حياتنا عاديّة. نمضيها في العمل والطبخ معًا واكتشاف أنفسنا مع بعضنا بعضًا وعلى حدة. نمضيها في التحدّث كثيرًا ومطوّلًا عن الحبّ والحياة، وعن أشغالنا، وعن مجاز والثقوب السوداء وأحلام الطفولة وأوجاعها ومستقبلنا معًا.
نمضيها في المرح والتسلية والضحك، وفي الشوارع والمطبخ، وعلى الشرفة، وفي غرفة النوم، وفي مطاعم نحبّها ومقاهٍ نألفها. حياتنا عاديّة جدًا. نمضيها في البحث عن سبل لجعل علاقة الحبّ هذه أكثر عدالة. كلّ شيء في حياتنا عاديّ جدًا، ما عدا الحبّ الذي يجمعنا.

تولوز، فرنسا | 11 أيلول/سبتمبر 2023
استيقظتُ ظهرًا ولم أجد رأسي. بحثتُ عنه على المنضدة بجانبي لعلّني خلعته قبل النوم لأرتاح منه قليلًا، لكنني لم أجده. بحثت عنه في أرجاء البيت سريعًا بلا نتيجة، ثم قرّرتُ أن أخرج إلى المدينة من دون رأس. قلتُ: "معليش"، أتدبّر أمري.
لم تكن فكرة سديدة. عدتُ إلى البيت سريعًا، ووعدتُ نفسي بألّا أخرج بعد اليوم من البيت من دون رأس. أحتاجه ليعينني على السير في الشوارع، وعلى تقبّل حرارة الشمس، وعلى الاحتكاك بالناس. شعرتُ بأنّني تائهة من دونه، مع أنّني حفظت الشوارع جيّدًا، ولم أعد أحتاج إلى تصفّح الخرائط على هاتفي لأتجوّل في المدينة، لكنّني من دون رأسي أشعر بأنّ ضبابًا يعلو كتفَي.
عدتُ إلى البيت. جلستُ على الكنبة، ورحتُ أنظر حولي. عندما كنت صغيرة، كانت أمّي تقول لي إنني لست شاطرة في التفتيش عن الأشياء؛ ففي كلّ مرّة، عندما كانت تطلب مني أن أحضر لها غرضًا ما من غرفة أُخرى، كنت أقف وسط الغرفة وأبحث عن الغرض بعينيّ كأنّني أنتظر منه أن يجدني. كأنّني أقول له إنّني هنا، حاضرة وظاهرة، ليأتي إليّ.

صحيح أنّني لم أجد رأسي بعدما عدتُ إلى البيت، لكنّني وجدتُ الحقيقة. كعادتها، تعيش الحقائق في البيوت. تخرج منها نادرًا لقضاء حاجة أو اثنتين، ثم تعود فورًا إليها.
من مقعدي على الكنبة، استطعتُ أن أحدّد المكان الوحيد الذي لا جدوى من البحث عن رأسي فيه، لأنه على الأكيد لم يعد هناك: لبنان. لم يعد رأسي في لبنان. هذه هي الحقيقة. في البداية، قلت لنفسي إنّ هذا غير ممكن؛ فالسؤال الأول الذي تطرحه على نفسك عندما تضيع شيئًا هو: "وين آخر مرّة شفته؟"، وأنا، آخر مرّة رأيتُ رأسي، كان في لبنان. أنا متأكّدة من ذلك، لكنّني متأكّدة أيضًا أنّه لم يعد هناك.
عرفتُ ذلك في الليلة السابقة عندما كان رأسي نائمًا. حلمتُ أنّني في بيتنا في البلدة الجبلية – بلدة الصيف. يقع بيتنا في بناية من أربعة طوابق فيها جدّتي وخالاي وأختي وعائلاتهم، وتقع البناية في حارة شعبية قديمة يعيش فيها أقرباء لنا وأصدقاء وجيران. كنت أرغب في العمل، لكنّ الضجّة كانت تمنعني من التركيز.
لغاية هذه اللحظة، يشبه الحلم الحقيقة إلى حدّ التماهي معها، فأنا لم أستطع يومًا العمل في هذا البيت الصيفي. لذلك، كنت ألجأ إلى المقاهي للعمل فيها، لكنّ الجديد في الحلم، أنّني فكّرت في نفسي أنّه ربما يكون صحيحًا، في نهاية الأمر، أنّ المغتربين لا يعودون قادرين على العيش في بلدهم رغم أنّهم كانوا يفعلون ذلك ويتدبّرون أمورهم جيّدًا قبل هجرتهم منه.
في الواقع، أنا أعرف أنّ الضجة في البناية لا تزعجني إلى هذا الحدّ. أحبّ البناية وأحبّ الحارة وبيوتها، ولا أتوقّع منها أن تكون ما ليست عليه. أحبّها حبًّا حقيقيًا، أي أنّني أحبها كما هي، لكنّ المسألة ليست في البناية ولا في الحارة. الأحلام مخبّأة في ثيابها؛ في ثياب النوم.
الحقيقة أنّني في صباح اليوم الذي رأيتُ فيه هذا المنام، استيقظتُ وكان كلّ شيء بخير. كان رأسي لا يزال في لبنان، وكان بالي مطمئنًّا لكون رأسي فيه، إلى أن فتحتُ عينَي وأمسكتُ هاتفي ووقعتُ على بيان الاعتذار الذي كتبه الكوميدي نور الحجّار تحت ضغط التهديد الذي تعرّض له بعدما تمّ نبش نكتة قالها عام 2018، واعتبرها البعض مسيئة إلى الإسلام. في كلّ صباح، أقول لنفسي إنّني لن أطالع هاتفي ومواقع التواصل الاجتماعي فورًا بعد أن أفتح عينيّ، وأنّني سأغسل وجهي وأشرب القهوة قبل أن أفكّر حتى في أن ألمس الهاتف، لكنّني لا أقوم بذلك.
كنت أعرفُ في رأسي –الذي لم أجده لغاية هذه اللحظة– أنّ البناية التي لم أعد أعرف كيف أعيش فيها هي لبنان الذي يُضطر فيه كوميدي إلى أن يعتذر عن نكتة قالها منذ أكثر من 5 سنوات لكي يحمي نفسه وعائلته من الأذى.
عشتُ يومًا كاملًا حزينة بسبب هذا المنام، وبسبب لاوعيي. كنت أتمنّى لو لم يكن لاوعيي واعيًا إلى هذه الدرجة. أفضّله كما يُفترض به أن يكون: غير واعٍ. أركل إليه بطرف رجلي كل الأسئلة والمسائل والرسائل والبيانات التي توجع قلبي، وأدفنها فيه عشر سنوات مثلًا، قبل أن تعود وتركلني من حيث لا أدري، لكنّني، على الأقل، أكون قد أجّلتها سنوات طويلة قد لا أعيش حتى لأراها، لكنّني مع لاوعيي الواعي هذا أضطر إلى مواجهة تبعات الحوادث في اليوم التالي لحدوثها، كأنْ لا أشغال أخرى لديّ ولا حياة يومية.
ليست الحملة التي تعرّض لها نور الحجّار، والتي دفعته -مرغمًا أعتقد- إلى الاعتذار هي المسألة الوحيدة التي تجعل لبنان بلدًا يصعب العيش فيه –أعرف ذلك تمامًا ولا أرمنس البلد لأنني أعيش خارجه– لكنّها الوحيدة التي تجعله بالنسبة إليَّ أنا شخصيًا مخيفًا. لا تخيفني العتمة إذا انقطعت الكهرباء، لكنّ الاعتداء الذي تعرّض له رواد حانة "مدام أوم" يخيفني.
كنت أقول في نفسي إنّني قادرة على التكيّف مع كل أشكال الأزمة، كما تكيّفت معها لسنتَين قبل مغادرة البلد، ولنحو 28 سنة إذا ما اعتبرنا أن الانهيار ليس مستجدًّا، لكنّني أخاف من أن تضيق الفسحة التي يحق لنا ضمنها التعبير عن أنفسنا بحرية. أحلم مرّات بالعودة إلى لبنان، وأقول إننا سنتدبّر أمرنا مثلنا مثل غيرنا، لكنّ رأسي لم يعد في لبنان.
أعرف ذلك لأنني، وأنا مُقبلة على مغادرة فرنسا -بلد هجرتي الأولى- أشعر بأنّ هذا الرحيل يوجعني قليلًا. كنت أفكّر في أنّ رحيلي من لبنان هو الرحيل الذي طبع حياتي، وأنّني، إذا كنتُ قادرة عليه، فهذا يعني أنّني قادرة على مغادرة أيّ مكان آخر في العالم. كنت أعتقد أيضًا أنه لا يهمني بتاتًا في أيّ بلد أعيش ما دامت هذه البلدان كلها ليست لبنان، لكنّ تولوز؛ المدينة الفرنسية التي أسكن فيها منذ نحو 3 سنوات، أصبحت هي أيضًا مكانًا مألوفًا لي، وأنا أحبّ الأماكن المألوفة، وسحرها يشتغل شغله بي من دون الحاجة للّجوء إلى حيلة.
رأسي لم يعد في لبنان إذًا. أعتقد أنّه سوف يصبح معي قريبًا، هنا، حيث أكون، وأنّني من تلك اللحظة وصاعدًا سوف آخذه معي أينما أذهب. هكذا، يطمئن رأسي إليه.
