فراسكاتي، إيطاليا | 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023
أذكر بدقّة عالية اليوم الذي دخلتُ فيه عالم الهجرة اللبنانية. أحفظه كما يحفظ المتزوّجون تاريخ زفافهم. لم يكن هذا التاريخ هو نفسه تاريخ وصولي من زغرتا (شمال لبنان) إلى تولوز في فرنسا. حصل ذلك بعد نحو 6 أشهر. كنتُ مدعوّة مع زوجي إلياس إلى سهرة لطيفة مع مجموعة من اللبنانيين المغتربين، وكانت المرّة الأولى التي ألتقي فيها عددًا من المغتربين دفعة واحدة. قبل ذلك، كنّا نستقبل في بيتنا أصدقاء يزورون فرنسا أو يزورون تولوز بضعة أيّام، لكنّ المغتربين فرادى ليسوا كالمغتربين جماعة.
لم أكن أعرف أنّ هذه المُحادثة العابرة مع مغترب لبنانيّ لا أعرفه ستكون بالنسبة إلي – وليس إليه بالطبع – محطّة في رحلتي التي يبدو أنّها ستكون طويلة مع الاغتراب. كنّا واقفين وجهًا لوجه، فسألته عن عمله، وعمّا إذا كان مهاجرًا جديدًا إلى فرنسا، فأجابني أنّه مغترب منذ أكثر من 20 سنة. قلتُ له عندها إنّني وصلتُ للتو من لبنان.
تحدّثنا عن أشغالنا وأخبرتُه أنّني أعمل كاتبة وصحافية مستقلّة. قال لي عندها إنّه حاول مساعدة أخته على الخروج من لبنان وفقًا لهذه الوضعيّة القانونيّة -أي كعاملة مستقلّة- لكنّ المسار لم ينجح. اقترحتُ عليه بعض الحلول، لعلّها تُفيده باستقدامها إلى فرنسا، لكنّه سارع وطمأنني: "لا لا خلص. غيّرت رأيها ما عاد بدها تهاجر. ركبت طاقة شمسيّة". أدار ظهره وراح يحدّث أشخاصًا آخرين.
جلسنا أمام سفرة لبنانيّة. كنتُ جائعة، وبطبيعة الحال مشتاقة للأكل اللبنانيّ، لكنّني لم أتناول لقمة واحدة، كأن شيئًا ما علق في حلقي. اقتربتُ من إلياس وهمستُ في أذنه: "بدّي قلّك شي"، ثم تابعت: "هيدي طاولة أرواح مُعذّبة". عندما قلتُ له هذه العبارة، سمعتُها أيضًا. سمعتُ نفسي أقولها. قبل ذلك، كنتُ أقولها في رأسي بلا صوت، لكنني عندما قلتها بصوت عالٍ أو بالأحرى همسًا في أذن زوجي، تذكّرتُ حكاية عن بيت مشهور جدًا في محيط بلدتنا الجبلية وعرفتُ لماذا خطرت لي هذه العبارة الشاعرية اللزجة دون سواها.
تقول الحكاية إنّ أرواحًا معذّبة تزور هذا البيت وتعبث به وتحرّك الأغراض وتصدر أصواتًا مرعبة، وأنّها تتحلّق حول طاولة السفرة وتطرق بالملاعق والصحون والطناجر النحاسيّة. البيت في هذه الحكاية مهجور، أي أنه بيت هجره أهله. أمّا الأرواح المعذّبة التي أتحدّث عنها في هذا النصّ، فهي قصة أهل هجروا بيوتهم. أفكّر الآن: ماذا لو سمّينا الأشخاص الذين يعيشون خارج بلادهم "مهجورين" بدلًا من "مهاجرين"؟ أليسوا هم أيضًا متروكين، وحيدين، كالبيت المهجور في محيط بلدتنا الجبلية؟ أليسوا هم أيضًا مشوّشين غير قادرين على نيل السكينة؟
منذ اندلاع الحرب على غزّة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أفكّر أنّنا لو كنّا لا نزال في تولوز، إلياس وأنا، لكنّا قد فتحنا بيتنا الصغير في وسط المدينة للأصدقاء المعنيّين بما يجري لكي نبكي فيه معًا، لكي لا يبكي كل منّا في شقّته الصغيرة أو يغضب أو يشتم الشاشة وحيدًا. في كلّ مرّة أتحدّث فيها مع أصدقاء من المغتربين اللبنانيين والعرب في أوروبا أو أميركا، يحدّثونني عن مشاعر الوحدة والعزلة التي ترافق الغضب والحزن والعجز أمام مشاهد المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الفلسطينيّين.
لكنّنا لم نعد في تولوز. انتقلنا للعيش في قرية في محيط روما في إيطاليا. عندما أخرج لأمشي فيها، أفكّر في أنّني الوحيدة من بين كلّ الناس حولي التي تملأ رأسها صور الخراب والدماء والأشلاء.

لا تطوف فوق رأسي ورؤوسهم الغيمة نفسها. مررت في ساحة القرية يوم الأحد الماضي، وكانت بسطات محالّ الخضار والفواكه مغطّاة بورق أبيض يحميها من المطر. للوهلة الأولى، تخيّلتُها أكفانًا، ثم انتبهتُ أنّني الوحيدة في هذه الساحة التي تتخيّل الليمون والتفاح جثثًا. تأكّدتُ مرّة أخرى -ولو لم أعد أبحث أصلًا عن دلائل- أنّنا وحيدون هُنا.
أمشي في القرية التي انتقلنا إليها منذ شهر واحد -أي قبل أيّام من إطلاق عملية "طوفان الأقصى" والعدوان على غزّة- وأقول إنّنا نملك نعمة التنزه في الطبيعة على الأقل. نخرج كلّ يوم مرّة واحدة من البيت للمشي في أرجاء القرية أو لاحتساء فنجان قهوة في أحد مقاهيها أو لشراء الحاجيات. وعندما يسألنا أحدهم عن الحياة في إيطاليا، أفكّر في صور المجازر والخراب التي نشاهدها عبر شاشة اللابتوب والبث المباشر للفضائيات. هذا كلّ ما أعرفه عن الحياة في إيطاليا لغاية اليوم، ثم أنتبه: ماذا نفعل في إيطاليا إذا كنّا منشغلين بأمور لا يبدو أنها تشغل الطليان؟ ألا يجدر بالناس التي تعيش مع بعضها بعضًا أن تنشغل بالأمور نفسها؟
عندما أتعب من التحديق بالشاشة، أنزل إلى ساحة البناية وأجلس على مقعد خشبيّ تحت الشجرة. أفكّر في الأرواح المعذّبة حول مائدة العشاء، كما أفكّر في كلّ الأرواح المعذّبة التي التقيتُها طوال سنوات هجرتي الثلاث. يحزنني السعي الدائم لدى المغتربين لشرح وتبرير أنفسهم، ويحزنني أكثر سعيهم الدائم لإثبات استحقاقهم هذه الفرصة العظيمة التي أتاحها لهم الغرب بفتح أبوابه لهم. حتى الأشخاص الذين عاشوا أكثر من 40 سنة في الاغتراب، وأنجبوا في بلاد الاغتراب أطفالًا أنجبوا بدورهم أطفالًا، لا يزالون يجتهدون ليثبتوا للغربيّين أنّهم استحقّوا تأشيرة الدخول التي مُنحوا إيّاها منذ عقود.
لا يترجم المغتربون أفكارهم فحسب كما كنت أتخيّلهم. كنتُ أتخيّلهم مجرّد مترجمين فوريّين عند أنفسهم، أي أنّهم يفكّرون بالعربيّة وفورًا يترجمون الأفكار إلى اللغة الأجنبية قبل أن يقولوها على مسمع الآخرين، لكنّني انتبهتُ أنّهم يترجمون أرواحهم، كلّ يوم، كلّ الوقت.
في إحدى المرّات، أخبرتني صديقة لي أن زميلتها الفرنسية أخبرت الجميع في المكتب أنّ أمّها صفعتها مرّة واحدة على خدّها عندما كانت مُراهقة. أخبرتهم الحكاية كاملة وضحكت كثيرًا عندما جاءت على ذكر بعض تفاصيل الحادثة. قالت لي صديقتي، معلّقة على ذلك، أنّ من المستحيل أن تحكي قصّة مشابهة لو كانت قد حصلت معها، فهي، بصفتها عربيّة في أوروبا، موصومة أصلًا بالبربريّة، ويُنظر إليها كامرأة مقموعة ومسحوقة وضحيّة للعنف إلى حين إثبات العكس.
قالت لي صديقة أخرى إنّها، في أوروبا، تشعر بأنّها مسؤولة عن الإسلام كلّه. أفصحت لي أنّها تريد أن تغيّر نظرة الغربيّين إلى الإسلام. هذا عمل شاقّ. هذه هي ترجمة الروح: سلسلة لامتناهية من "الفلاتر" والرقابة الذاتية ترافق عمليّة الترجمة من اللغة العربيّة إلى اللغة الأجنبية، لكي تخرج الكلمات كالمياه الصافية المكرّرة، لا تشوبها شائبة، ولا تزعج معدة الغربيّين.
المغترب الجيّد هو المغترب اللا-مرئي، إمّا لأنه يتكوّر على نفسه بحيث يُصبح كذرّة الغُبار: موجودة إنمّا لامرئية، ولا تزعج أحدًا ما دامت منفردة، وإمّا لأنه يكون على سجيّته طوال الوقت، لكنه لا يخرج من قوقعته أصلًا، فلا يراه أحد، لا على سجيّته ولا على سجيّة غيره، وإمّا لأنّه يمعن في محاولات الاندماج، فيصبح شبه منصهر في الجموع، حتّى إذا التقاه أهله لا يعودون يعرفونه. مشكلة الفرضيّة الأخيرة أنّ الاندماج -وهو طبيعي- ليس كالاستفحال بالاندماج، وأنّنا كلما استفحلنا بمحاولة الاندماج، انزلقنا نحو الخضوع.
أعرف لماذا خطرت لي عبارة "الأرواح المعذّبة" دون غيرها. أرواح معذّبة لأنها في حركة دائمة، ولأنها غير مطمئنّة وغير مُستكينة إلى ما هي عليه. أرواح تحاول بشكل مستمرّ أن تثبت حقّها بالوجود، وحقّها تحديدًا بالوجود على أرض هذه القارّة، كضيف ثقيل يعرف أنّه غير مرحّب به، فيحاول أن يعوّض لأهل البيت بإسداء الخدمات لهم: لا يتكلّم إذا لم يتوجّه إليه أحد بالكلام، ويصرّ على أن يجلي الصحون بعد الأكل، وربما أيضًا يلمّع الثريّات. لِمَ لا؟
ديناميكيّة العلاقات بين طرفَين، أيّ طرفين، تتطلّب تموضعًا من الاثنَين: الفَوقيّة التي يتعاطى فيها أحدهم مع الآخر تتطلّب من الآخر هذا قبول التموضع في الخانة المقابلة، أي الدونية. أتابع التغيّر الذي حدث منذ بدء عملية "طوفان الأقصى"، لا سيما فيما يتعلّق بتصويب ديناميكية العلاقات بيننا وبين الغرب، وكأننا نحاول استعادة العلاقة من توازن الفوقيّة-الدونيّة إلى علاقة من الندّ للندّ.
أفكّر في الناشطة رحمة زين في رفح التي واجهت مراسلة قناة سي. إن. إن. على حدود غزّة واستدعتها قائلة: "تعالي وكلّميني كبني آدمة، سمعتك، والآن أنتِ تسمعينني". أفكّر في الـ"أحّا" التي أطلقها الإعلامي المصري باسم يوسف في حديثه إلى المذيع البريطاني بيرس مورجان غير آبه بما إذا كان الغرب سيفهم عليه، وغيرهم كثر ممن توقّفوا عن تطويع خطاباتهم لتناسب الغرب.
أفكّر في أنّنا طوّعنا أنفسنا لوقت طويل، وأنّنا استفقنا. هكذا، بهذه البساطة. أفكّر بشعوري عندما سمعت هذه المقولة في لقاء في تولوز عنوانه "المنفى والعلاج النفسي التحليلي": "كلما استفحلنا في محاولة الاندماج، انزلقنا نحو الخضوع". تلقّى رأسي هذه الجملة كمرهم على الجرح أو كضوء أخضر ليسكن ويرتاح.

في شهري الأخير في مدينة تولوز، وفي فرنسا بشكل عام، صرتُ أفكّر في الأشياء التي جعلت حياتي هنا حياة. في البداية، فكّرت في الصداقات التي بَنَيتُها مع الأصدقاء في هذه المدينة. عدد من هذه الصداقات سيبقى خاصًّا بالمدينة، وعدد أقل سأصحبه معي أينما ذهبت؛ هؤلاء هم الأصدقاء بالمطلق الذين لا تتعلّق صداقتي بهم بالمكان ولا بالجغرافيا.
بعد ذلك، انتبهتُ أن هناك أمراً آخر يجعل الحياة هنا حياة؛ أمراً آخر غير الأصدقاء: الناس الذين ألتقيهم كلّ يوم، والذين لا أعرف أسماءهم ولا يعرفون اسمي بالضرورة، لكنّنا نعرف بعضنا بعضاً. هؤلاء هم ناس الحياة اليومية، يصنعون، مع الأماكن المألوفة، يوميّات الحياة العادية.
في آخر شهر لي في مدينة تولوز، التقطت سلسلة من الصور الفورية لأشخاص وأماكن توثّق حياتي اليومية في تولوز ونشرتها تحت عنوان "يوميات الحياة العادية"، انطلاقًا من اهتمام مجاز بالحياة اليومية والناس العاديّين. (نشرت هذه النصوص تباعًا في حسابَي مجاز في إنستاغرام وفيسبوك، وجمعتها لاحقًا في هذه المدوَّنة).
عدتُ في أحد الأيّام من السوق بعدما مررت بدكّان عمر للخضار والفاكهة. لم أكن أعرف اسمه بعد (سألته عنه البارحة عندما التقطتُ له هذه الصورة). في البيت، قلتُ لزوجي إنّ جارنا "الخُضرجي" سيقفل دكّانه لشهر كامل، لأنه ذاهب إلى الجزائر لقضاء عطلة الصيف، وليرى أمّه ويمضي بعض الوقت معها، لأنّ العائلة أهمّ شيء في الحياة. سألني زوجي عندها: "إنتِ شو عرّفك بكلّ هيدا؟"، فقلتُ له إنّني سألته عن العطلة، وحدّثته فحدّثني، وأخبرني كل هذه الأخبار.
أقرأ أحيانًا جملًا واقتباسات يشاركها البعض في مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أنّ أهمّ المحادثات هي المحادثات العميقة التي تتناول مواضيع الحياة والمستقبل والوجود، والتي تجريها مستلقيًا تحت النجوم أو على شاطئ البحر وما إلى ذلك.

هذه المحادثات مهمّة طبعًا، لكنها لا تلغي أهميّة المحادثات الصغيرة بين الناس عن الطقس والمدينة والعائلة والأولاد والعمل وغلاء الأسعار. على العكس تمامًا. قرأت مرّة مقالًا عن اختفاء المحادثات الصغيرة من عالمنا، لأننا عندما نكون في انتظار رحلة في القطار أو خلال الوقوف في الطابور أمام الفرن أو في قاعة انتظار، يتصفّح كلّ منا هاتفه بدلًا من التحدّث إلى الآخرين.
انتبهتُ عندها أنّني فعلًا أحب المحادثات الصغيرة مع الناس، وأنّني أجد من المستغرب جدًا أن ألتقي عمر كل يوم، وألّا أعرف عنه شيئًا، ولا يعرف أيضًا شيئًا عنّي.
إيفا هي جارتي في البناية القديمة. "جارتي" و"البناية القديمة" كلّها كلمات لم أتخيّل يومًا أن أقولها هنا في فرنسا، وذلك بسبب الأحكام المسبقة التي نكوّنها عن شكل العلاقات في أوروبا. بعض هذه الأحكام صحيح، والجزء الأكبر منها مبالغ فيه جدًا. المهمّ في هذا كلّه أنّني لم أتخيّل أوّلًا أن تكون لي جارة في تولوز، وثانيًا أن أعيش ما يكفي من الوقت في هذه المدينة بشكل يسمح لي أن أحكي عن بيت في البناية القديمة وآخر في البناية الجديدة.
تعرّفت إلى إيفا في ردهة الطابق السابع من البناية. كنتُ أقف مع زوجي، وكانت مع حبيبها، كلٌ أمام باب بيته. قلنا لبعضنا بعضًا: "بونسوار"، ثم أدرنا ظهرنا عائدين إلى شقّتَينا. في اللحظة الأخيرة، قلتُ لنفسي: "بحكي أو ما بحكي؟"، ثم استجمعتُ قواي ودعوتهما لشرب شيء ما عندنا: قهوة أو شاي أو كأس من الكحول. لا فرق.

وافقا، فسرنا معًا نحن الأربعة إلى غرفة الجلوس عندنا وتحدّثنا مطوّلًا. بعدها، قاما بدعوتنا إلى العشاء في شقّتهما، فخبزت "كيكة" وأخذتها معي. أثناء العشاء، عرفتُ أنّ عيد ميلاد إيفا يصادف هذا الأسبوع، فارتجلنا احتفالًا، وأضفنا شمعة إلى قالب الحلوى.
بعد ذلك، دعوناهما إلى بيتنا، وحضّرنا لهما طبقًا لبنانيًا. كانت هذه الدعوات إلى مشاركة الطعام بيننا جميلة جدًا، لكنّ الأجمل منها كان يحدث بين الدعوة والأخرى لا أثناءها: كنّا نتبادل صحون الطعام بيننا بلا مناسبة. إذا حضّر الواحد منّا قالبًا من الحلوى، كان يرسل إلى الآخر حصّة منه. وإذا أرسلت والدة حبيب إيفا حلوى من المغرب، كانا يرسلان إلينا حصّتنا منها. تبادل الصحون هذا بيننا ذكّرني بجدّتي التي كانت ترسل معنا، أختي وأنا، عندما كنا صغيرتَين، صحونًا من الطعام للجيران.
علّمتني الهجرة مرّة ثانية أن الصداقات تُبنى على مهل. في فرنسا، لم يعد بناء الصداقات أمرًا عاديًا لا أنتبه له، بل صرت ألاحظ كيف نعمّر الصداقات كما نعمّر بيتًا. انتبهتُ بوضوح أكبر لذلك عندما قارنت علاقاتي بالناس هنا عند لقائنا في المرة الأولى بعلاقاتي بهم الآن وأنا أودّعهم للمرّة الأخيرة.
بحثتُ عن ليا طويلًا قبل أن أجدها. منذ أن قررتُ أن أترك شعري على سجيّته مجعّدًا ومتطايرًا حول وجهي، انتبهتُ إلى أنّ قصّ الشعر على الناشف أفضل من قصّه وهو مبلّل وأملَس. بهذه الطريقة، أخرج من الصالون وأنا أعرف تمامًا كيف سيبدو شعري كلّ يوم بعد أن أخرج من الحمّام.
وجدتها أثناء بحثي الطويل عن صالون لتصفيف الشعر في مدينة تولوز. كيف أعيش في مدينة وأسمّيها مدينتي من دون أن يكون لي فيها مصفّف(ة) للشعر؟ قصصت شعري قصيرًا للمرّة الأولى في صالون ليا منذ سنتين بالتمام، في أيلول/سبتمبر عام 2021، وصرت أزورها بشكل دوريّ لأنني أقصّ شعري كلّ مرة عندما يكاد يطال كتفَي. هذا كلّه لأقول إنني زرتها كثيرًا، لكنّني لم أجدها فعلًا ودودة إلّا البارحة عندما زرتُها لكي أقصّ شعري مرّة أخيرة قبل مغادرة تولوز ولكي ألتقط لها هذه الصورة..

بدت لي ودودة أكثر من العادة، وراحت تحدّثني وتسألني عن طبيعة عملي وعمل زوجي، وبدت متحمّسة أكثر منّي ومنه لوجهتنا المقبلة.
قبل ذلك، كانت لطيفة بدرجة عاديّة. كنت في الحقيقة حذرة في التعاطي معها، لأنها أوحت لي بأنّ خلقها ضيّق. في إحدى المرّات، كانت تقصّ شعري عندما دخلت شابّة أجنبيّة تتحدّث بفرنسية غير متقنة لتطلب موعدًا منها، فسألَتْها: "شو بدّك تعملي عالمزبوط؟"، فقالت لها الشابة إنّها لا تعرف تمامًا ماذا تريد أن تفعل بشعرها، لكنّها سئمت منه وتحتاج إلى بعض التغيير في مظهرها. أعتقد أنّ الشابة كانت تحتاج إلى أن من يقول لها إن هذا الموديل يليق بوجهها أكثر من غيره أو هذه الصبغة تناسب لون عينيها لا أكثر.
لكنّ ليا أجابتها بشيء من العصبيّة: "لا، أنا هيدا ما عندي منّو، ما فيكي تاخدي موعد ومش عارفة شو بدّك، كيف بدّي أعرف شو أعملّك"، ثم تابعت: "بعدين هيدا راسك مش راسي، إنت اللي آخدتي معك عالبيت مش أنا".
ارتبكت الصبية واستأذنت وخرجت من الصالون. التفتت إليّ ليا وتأفّفت منها. لم أقل لها شيئّا لأنها كانت تحمل مقصًّا فوق رأسي.
ذهبت مرّة إلى صالون آخر في تولوز. لم تكن النتيجة سيئة أبدًا، لكنّني اشتقتُ إلى ليا. أنا وصديقتي سُهى، التي تتردّد أيضًا إلى صالون ليا، نسمّيها "ليّول" أو "الستّ ليّول"، لأنها تفعل وتقول ما تريد ونعود إليها في كلّ الأحوال.
اليوم الرابع من سلسلة "يوميات الحياة العادية" لا يحكي قصّة شخص، بل قصّة مكان: مكتبة "أومبر بلانش" في وسط المدينة؛ أكبر متجر لبيع الكتب في تولوز. شكّلت منذ اليوم الأول لوصولي إلى تولوز جزءًا من حياتي اليومية والعادية في هذه المدينة.
لم أتعرّف إلى الموظّفين فيها، لكنّ وجوه بعضهم أصبحت مألوفة لي. أحدّث أحدهم فقط عندما لا أجد كتابًا في المكان الذي أتوقّع أن أجده فيه. يُجيبني عن سؤالي وينتهي الحديث هنا. أمّا الوقت الباقي، فليس للناس في المكتبة، بل للكتب.
أدخل أحيانًا إلى المكتبة بلا غاية محدّدة، لمجرّد أنّني مررت أمامها كأنني ألقي التحية عليها، أو لأنني لا أعرف أين أذهب ولا وجهة معروفة لديّ. أدخل إليها في الربيع والصيف، وأشرب فنجان قهوة بالحليب في المقهى الصغير في باحتها الخلفية. لون الكراسي مع أشعّة الشمس فيها "يفتح القلب".
في إحدى المرّات، قال لي صاحب مكتبة أخرى: "الكتاب اللي ما بتلاقي بمكتبة "أومبر بلانش"، ما تتعذبي تفتّشي عنّه بباقي مكتبات المدينة."

عندما التقطتُ هذه الصورة الفَوريّة لصاحب المقهى، فكّرتُ بيني وبين نفسي أنّه لا يعرف شيئًا. لا يعرف شيئًا عن العلاقة التي تجمعنا، مجاز وأنا، بمقهاه. لا يعرف أنّ المقهى الذي أسّسه مع والديه في آذار/مارس 2022 شكّل محطّة من محطّات المشروع الذي أسّسته في نهاية العام نفسه. لم أقل له شيئًا، لكنني سألته عن اسمه، فأجابني: كريستوف.
أطلقتُ أوّل عدد من مجاز في هذا المقهى. لم يكن اشتراك الإنترنت قد فُعِّل في بيتنا الجديد. لذلك، كنتُ ألجأ يوميًّا إلى مقهى "كوبي". جلستُ على مقعد أمام طاولة صغيرة عليها اللابتوب وفنجان قهوة بالحليب، وقمتُ بتحميل العدد والفيديو الذي يرافقه. ضغطتُ على زرّ "النشر"، ولم أنجح في تحميلهما. لسبب ما، كان الإنترنت معطّلًا في المقهى. توتّرتُ كثيرًا وبكيتُ لأنّني، في رأسي، كنتُ مقتنعة بأنّ المشروع بأكمله سيفشل إذا تأخرت في إصدار العدد في الوقت الذي حدّدته لنفسي.

تنقّلتُ وحاسوبي وفنجاني ودموعي من مقعد إلى آخر بحثًا عن إرسال أفضل إلى أن تمّت العمليّة بنجاح.
بعدها، أصبح لدينا إنترنت في البيت الجديد، لكنّني واظبتُ على ارتياد "كوبي" للعمل، ربّما لأنني بكيتُ مرّة فيه، وربّما لأنّه قريب جدًّا إلى البيت، وقهوته لذيذة، والكيكات التي يحضّرها تبدو كعناقٍ في فمي، ولأن الموسيقى رائعة، وضوء الشمس على حيطانه الزرقاء تدفئ القلب.
في الفترة الأولى التي تلت افتتاح المطعم، كنّا نقول إنّنا سوف نتغدّى أو نتعشّى في مطعم "شيه تيتا"، وتعريبه الحرفيّ من الفرنسيّة هو: "عند جدّتي". كان هذا في الفترة الأولى. بعد زيارتنا للمطعم في المرة الأولى، ثم الثانية فالثالثة، تغيّر اسمه بالنسبة إلينا. صرنا نقول: "رايحين عند محمّد"، حتّى إنّنا أصبحنا نروح ونجيء عند محمّد -صاحب مطعم "شيه تيتا"- من دون أن نتغدّى أو نتعشى. صرنا نزوره بلا سبب، سوى أنّنا على مقربة من المطعم، أو لأننا ببساطة نودّ أن نسلّم عليه أو أن نشرب القهوة معه، لا عنده.
في المطعم عند محمد، ختمنا بحثنا عن مطعم لبنانيّ حقيقيّ في تولوز: "ورق العنب بزيت" كما تحضّره جدّتي، والطاولات أكثر عرضًا من طاولات المطاعم الفرنسيّة الصغيرة التي لا تناسب شكل السفرة اللبنانية وصحون المازة التي يتشاركها الناس، وصوت فيروز الذي يملأ المكان.

الأهمّ من هذا كلّه أن محمد يستقبلنا بنفسه، أو بالأحرى "يتأهّل" بنا.
في البداية، حدّثته عن مجاز، فتعرّف إلى المشروع، وقرأ قصص العدد صفر عن الاغتراب. بعدها، صرنا نتحدّث عن مجاز بشكل أعمق، ونشرب القهوة معًا لنتبادل الأفكار بشأن تطوير المشروع، ولا سيما صناعة الفيديو؛ مهنة محمّد الأولى.
في المرّة الأخيرة التي تناولنا فيها طعام العشاء عند محمّد قبل رحيلنا من تولوز، كان صوت فيروز يملأ المكان كالعادة. كنت أعتقد في السابق أنّ المغتربين يبالغون، لكنها حقيقة: لا أستطيع الاستماع إلى كل أغانيها في الغربة لأنها تحزنني.
تحزنني جملة: "سنرجع يومًا إلى حيّنا"، رغم أنّني لم أكن أنتبه لها عندما كنت أسمعها في لبنان. سمعتها في تلك الليلة في المطعم عند محمّد، وشعرت بأنّ الهجرة من تولوز، ومن مطعم "شيه تيتا" اللبناني في تولوز تحديدًا، ستكون هجرتي الثانية من لبنان.
للوهلة الأولى، كدت أكتب عنوان اليوم السابع "البيت القديم" بدلًا من "البيت"، لكنّني انتبهت بسرعة أنّ بيتنا في حيّ "المينيم" في تولوز ليس بيتنا القديم، بل بيتنا الوحيد في هذه المدينة. البيت الجديد الذي انتقلنا إليه في أواخر عام 2022 ليس بيتًا، لأنني لم أحبه، ولم أشعر يومًا فيه بأنّني في بيتي. سأفعل كما يفعل الفرنسيون، أي أنّني سأسمّيه شقّتنا بدلًا من بيتنا.
في فرنسا، ليس كل منزل بيتًا. إذا كان الواحد منّا يسكن في استوديو، فسيقول إنّه يعيش في استوديو، وإذا كان يسكن في شقّة، فسيقول إنّه يسكن في شقّة. أمّا البيت، فهو البيت المنفرد الذي كنّا نرسمه على ورقة بيضاء عندما كنّا صغارًا: مكعّب يعلوه مثلّث، له شبّاكان كعينَين وباب واحد كفَمٍ.

في حيّ المينيم، كنّا نسكن في شقّة، لكنّني كنت -ولا أزال- أسمّيها بيتنا. لا بدّ من أنّ الفرنسيين الذين قابلتهم وقلت لهم إنّنا نعيش في بيت في "المينيم" ظنّوا أنّنا فاحشو الثراء. "معليش".
لم أعتقد يومًا أنّني سأحبّ الحيّ إلى هذه الدرجة، حتى إنّني كنت أشعر بأن قلبي يفتحُ عندما نعود من سفر ما ونصل أخيرًا إليه. كانت أمّي تقول إنّ قلبها يفتح عندما تعود من بيروت إلى زغرتا، كأنه يكون مغلقًا عندما تخرج من بلدتها.
كنت أحبّ العودة إلى "المينيم"، وأحبّ الساحة الواقعة في قلب الحيّ التي يتجمّع فيها الأشخاص نفسهم كلّ مساء. اعتدتُ وجود عازف يلعب الموسيقى كلّ يوم أمام الجمهور نفسه المؤلّف من ثلاثة أو أربعة أشخاص. هم أيضًا نفسهم، يجلسون على مقعد مثبّت بالأرض. ربّما لا يتغيّرون من يوم إلى آخر لأنهم كالمقعد؛ ثابتون مكانهم.
في الساحة نفسها، كنت أطلب بيتزا من "الفان" الذي يُركن كلّ يوم في الحيّ نفسه، كأنّه هو أيضًا ثابت في الأرض بلا دواليب تنقله من مكان إلى آخر. كان بإمكاننا أن نحصل على بيتزا مجّانًا بعدما نكون قد اشترينا 10 علب من البيتزا، واحتفظنا بقصاصة ورق صغيرة من كل علبة، لكنّنا -للأمانة- لم نأكل الكثير من البيتزا. لم نكن نحتفظ بالقصاصات أصلًا، ربما لأننا لم نكن نريد أن نعدّ البيتزا على أصابعنا.
كنتُ أريد أن تكون لي صديقة في تولوز؛ صديقة أكتب لها رسالة نصيّة قصيرة من كلمتين: "أينَ أنتِ؟"، فتجيبني: "بالبيت، تعي"، فنلتقي بهذه البساطة. أطرق باب بيتها بلا أن أكتب لها حتى: "أوكي، جايي". أتمدّد على سريرها أمام الشباك، وتجلس على الكرسي قبالتي. أفتح علب الشوكولا وآكل ما أريد منها، حتى إنّني أضيّفها من العلبة كأنّها هي ضيفتي.
في بلاد المهجر، تُبنى علاقات الناس برعاية "غوغل كالِندر": ترسل رسالة إلى صديق في شهر تمّوز/يوليو. تطمئن إلى حاله، وتسأل عن أخباره، ثم تتفق معه على اللقاء يوم السبت في الثاني من شهر أيلول/سبتمبر في تمام السادسة مساءً. لا أبالغ، فالكلّ مشغول، والكلّ يسافر كثيرًا، ويتنقّل كثيرًا، ويعمل كثيرًا، والمسافات بعيدة. عندها، تُضطر إلى ترك ملاحظة على روزنامة هاتفك ليذكّرك بالموعد الذي ضربته مع صديقك بعد شهر وأسبوع، لكنّني وجدتُ سُهى.

وجدتها على "إنستغرام"، ثم تواعدنا للمرّة الأولى على "سْطَيحة" في الطابق الرابع من متجر كبير وسط المدينة يبيع كلّ شيء.
كان اللقاء بيننا خجولًا. كنّا في بداية هجرتنا إلى فرنسا، وفي بداية خروجنا من الحجر الصحي بعد جائحة كوفيد 19. صرنا نلتقي بعدها بوتيرة متباعدة، إلى أن أصبحنا نتحدّث كل يوم ونلتقي تقريبًا كل يوم. نلتقي نحن الثلاثة -الياس زوجي وسُهى وأنا- يوم الأحد في بيتنا. نطبخ معًا، ونأكل معًا، ونتحدّث كثيرًا، ونضحك أكثر، ونسخر من بعضنا بعضًا بلا نقطة خجل. أرافقها إلى مواعيد الطبيب، ونتشارك صالونًا واحدًا لتصفيف الشعر –صالون الست ليّول– ونطبخ لها طبخات تحبّها، فيما تحضّر لنا حلويات بيروتية لم نسمع باسمها من قبل. نهوّن على بعضنا بعضًا الطريق.
كنتُ أريد أن تكون لي صديقة في تولوز، لكنني كنت قد نسيت كيف تُبنى الصداقات، وكيف تأخذ وقتها ككلّ العلاقات الأخرى، وككلّ شيء في هذه الحياة. في إحدى المرّات، كان بيتنا الصغير يعجّ بالناس بشكل عفويّ: الياس وصديقنا الحوراني يحضّران لنشاط على طاولة المطبخ، وسُهى وأنا على الكنبة في غرفة الجلوس نبحث في شياكة الفرنسيات وذوقهنّ الرفيع في اللباس، ثم أتى صديقنا عثمان لزيارتنا على غفلة وبيده علبة ماكارون (حلويات فرنسية).
في ذلك اليوم، قالت لي سُهى شيئًا لا أذكره، وأنهت جملتها بـسؤال: "ما هيك يا أورنيليتا؟"، فأجبتها: "مبلى هيك يا توتي"، ثم نظرنا إلى بعضنا بعضًا، و"غشينا" من الضحك في اللحظة نفسها. يومها، عرفتُ أننا سنبقى صديقتين إلى الأبد.
بعضٌ من يوميات حياتي العادية في تولوز، وفي أي مكان بعيد من لبنان، يحدث على شاشة التلفون. أتصل بأختي التي تعيش مع زوجها وولدَيها (صبي عمره 6 سنوات، وطفلة عمرها سنة ونصف سنة) في لبنان عبر فيديو واتسآب، وأسألها فورًا: "وين ولادي؟". تقول لي إنهما في المدرسة أو مع والدهما أو نائمان.
تسألني: "هل تريدين التحدّث إليَّ أنا مثلًا بدلًا منهما أو نقفل الخطّ؟". أقول لها ممازحة إنّني سأتحدّث إليها، إنما على مضض.
يركض ابنها عندما يسمع صوتي يصدح من الهاتف، وأنا، عندما أرى وجهه، أصرخ له: "ماما، ماما" تحبُّبًا، لأنني أحسبه ابني أنا أيضًا، وامتدادًا لعائلتنا الصغيرة المكوّنة من أم وأب وطفلتَين، أختي وأنا. تسمعني فرنسا كلها عندما أعدّد له أسباب حبّي له ولوجهه الجميل وللشامة التي تعلو جبينه.

إذا كنتُ في الطريق، يرمقني الفرنسيون بنظرة غريبة؛ ففرنسا بلد ساكتٌ، أيّ أن أصوات الناس فيها خافتة. أحسب فرنسا مكتبة كبيرة للدراسة ممنوع فيها التحدّث إطلاقًا، لا بصوت مرتفع، ولا حتى بالهمس، لكنّني أحب ابن أختي وابنتها حبًا صاخبًا كحبّ جدّتي لنا عندما كنّا صغيرتين. كانت تدلّلنا بصوت عالٍ جدًا، إلى درجة أنّها، في إحدى المرّات، أقلقت جارتها التي جاءت إلينا مسرعةً لاعتقادها أنّ شيئًا ما أصابنا.
أطمئنّ لكون ابن أختي يعرفني جيدًا ويحبّني. أمّا أخته، فولدت عندما كنت قد هجرتُ لبنان منذ أكثر من سنة. لم أر وجهها في يومها الأوّل على وجه هذه الأرض. رأيتُ صورًا لها على شاشة تلفوني. عندما أرى وجهها على الشاشة، أصرخ لها: "ماما".
منذ بضعة أيّام فقط، أجابتني للمرّة الأولى بـ"ماما". قالت لي أختي إنها لا تقول "ماما" لأحد، حتى لها هي؛ أمّها التي أنجبتها. طلبتُ من أختي أن تهمس لها كل ليلة قبل أن تنام أنّ خالتها تحبّها كثيرًا، لكنّ أختي طمأنتني قائلة: "لا تقلقي، الأطفال يعرفون من يحبّهم حقًا"، ثم أضافت: "الأطفال يعرفون أيضًا من تحبّ أمهم، ويحبّونه بدورهم بشكل طبيعي".
كنت أُسألُ كثيرًا عمّا جاء بي إلى تولوز: الدراسة أو العمل أو الهجرة؟ فأجيبُ أنّني جئت إلى تولوز بدافع الحبّ. إجابتي هذه كان يليها سكوت أو ضحكة. الحبّ وحده لا يبدو دافعًا كافيًا، فأستفيض في التحدث عن عمل زوجي وعن قرار الارتباط به رغم أنّنا لم نكن نعيش في البلد نفسه.
لو قلتُ إنّني هاجرتُ لمتابعة الدراسة أو لقبول عرض وظيفيّ براتب أعلى أو للبحث عن أفق جديد، لما اضطررتُ إلى الشرح. أذكُر اليوم الذي خطرت لي هذه الفكرة البسيطة: متى أصبح الترحال لدوافع اقتصادية أعلى شأنًا من الحبّ؟
في الأشهر الأولى في فرنسا، لم أكن قد أسّستُ مجاز، ولم أكن أعمل في الترجمة والكتابة بعد. كنتُ أقرأ روايات، وأمشي في المدينة، وأتمدّد على العشب في الشمس، وأخبز كيكة مرّة في الأسبوع.

كنتُ أمضي وقتًا طويلًا في المطبخ مع زوجي: نشرب النبيذ بينما يطبخ. يحملني فأجلس بجانبه على المنضدة لنتحدّث ولأقرأ له تعليمات الوصفة من كتاب "مذكّرات مطبخ تولوز-لوتراك" الذي أهدتنا إيّاه صديقة لمناسبة زواجنا.
كانت هذه المرحلة من أجمل مراحل حياتي، لكنّني لم أستمتع بها بالكامل إلا عندما انتبهت أنّه يحقّ لي ألّا أكون منتجة، وأن أتخذ خيارات كبيرة بدافع الحبّ فقط. بعد مرور سنتين، قرأتُ كتابًا عن الحبّ للكاتبة النسوية الأميركية بيل هوكس. تقول في مقدّمته إنّ الحبّ لم يعد ذريعة قويّة، ولا يجرؤ أحد على البوح بحاجته إلى الحب، وأنّها حين تبوح بذلك للمقرّبين إليها، يسارعون في الرد عليها بخطاب عن أهميّة الاكتفاء بالذات وحبّ الذات وتطوير الذات. كلّ مرّة عندما تتحدّث عن الحبّ، يضحك الآخرون عليها. الحبّ ساذج وسخيف.
لكنّني انتبهتُ إلى أنّ الحبّ مهمّ، وانتقلتُ إلى تولوز، وبعدها إلى روما، بدافع الحب. أحبّ أن أنام بجانبه، وأن أستيقظ بجانبه، وأن أقنعه في الصباح بألّا يذهب إلى المكتب لكي نشرب القهوة معًا "على البلكون عَ رواق". أجمل ما في الأمر أنه يقتنع ويبقى، فنشرب القهوة معًا، ونتحدّث كأنّنا لم نرَ بعضنا بعضًا منذ 70 يومًا، ثم نمضي للعمل على طاولة السفرة.
حياتنا عاديّة. نمضيها في العمل والطبخ معًا واكتشاف أنفسنا مع بعضنا بعضًا وعلى حدة. نمضيها في التحدّث كثيرًا ومطوّلًا عن الحبّ والحياة، وعن أشغالنا، وعن مجاز والثقوب السوداء وأحلام الطفولة وأوجاعها ومستقبلنا معًا.
نمضيها في المرح والتسلية والضحك، وفي الشوارع والمطبخ، وعلى الشرفة، وفي غرفة النوم، وفي مطاعم نحبّها ومقاهٍ نألفها. حياتنا عاديّة جدًا. نمضيها في البحث عن سبل لجعل علاقة الحبّ هذه أكثر عدالة. كلّ شيء في حياتنا عاديّ جدًا، ما عدا الحبّ الذي يجمعنا.

تولوز، فرنسا | 11 أيلول/سبتمبر 2023
استيقظتُ ظهرًا ولم أجد رأسي. بحثتُ عنه على المنضدة بجانبي لعلّني خلعته قبل النوم لأرتاح منه قليلًا، لكنني لم أجده. بحثت عنه في أرجاء البيت سريعًا بلا نتيجة، ثم قرّرتُ أن أخرج إلى المدينة من دون رأس. قلتُ: "معليش"، أتدبّر أمري.
لم تكن فكرة سديدة. عدتُ إلى البيت سريعًا، ووعدتُ نفسي بألّا أخرج بعد اليوم من البيت من دون رأس. أحتاجه ليعينني على السير في الشوارع، وعلى تقبّل حرارة الشمس، وعلى الاحتكاك بالناس. شعرتُ بأنّني تائهة من دونه، مع أنّني حفظت الشوارع جيّدًا، ولم أعد أحتاج إلى تصفّح الخرائط على هاتفي لأتجوّل في المدينة، لكنّني من دون رأسي أشعر بأنّ ضبابًا يعلو كتفَي.
عدتُ إلى البيت. جلستُ على الكنبة، ورحتُ أنظر حولي. عندما كنت صغيرة، كانت أمّي تقول لي إنني لست شاطرة في التفتيش عن الأشياء؛ ففي كلّ مرّة، عندما كانت تطلب مني أن أحضر لها غرضًا ما من غرفة أُخرى، كنت أقف وسط الغرفة وأبحث عن الغرض بعينيّ كأنّني أنتظر منه أن يجدني. كأنّني أقول له إنّني هنا، حاضرة وظاهرة، ليأتي إليّ.

صحيح أنّني لم أجد رأسي بعدما عدتُ إلى البيت، لكنّني وجدتُ الحقيقة. كعادتها، تعيش الحقائق في البيوت. تخرج منها نادرًا لقضاء حاجة أو اثنتين، ثم تعود فورًا إليها.
من مقعدي على الكنبة، استطعتُ أن أحدّد المكان الوحيد الذي لا جدوى من البحث عن رأسي فيه، لأنه على الأكيد لم يعد هناك: لبنان. لم يعد رأسي في لبنان. هذه هي الحقيقة. في البداية، قلت لنفسي إنّ هذا غير ممكن؛ فالسؤال الأول الذي تطرحه على نفسك عندما تضيع شيئًا هو: "وين آخر مرّة شفته؟"، وأنا، آخر مرّة رأيتُ رأسي، كان في لبنان. أنا متأكّدة من ذلك، لكنّني متأكّدة أيضًا أنّه لم يعد هناك.
عرفتُ ذلك في الليلة السابقة عندما كان رأسي نائمًا. حلمتُ أنّني في بيتنا في البلدة الجبلية – بلدة الصيف. يقع بيتنا في بناية من أربعة طوابق فيها جدّتي وخالاي وأختي وعائلاتهم، وتقع البناية في حارة شعبية قديمة يعيش فيها أقرباء لنا وأصدقاء وجيران. كنت أرغب في العمل، لكنّ الضجّة كانت تمنعني من التركيز.
لغاية هذه اللحظة، يشبه الحلم الحقيقة إلى حدّ التماهي معها، فأنا لم أستطع يومًا العمل في هذا البيت الصيفي. لذلك، كنت ألجأ إلى المقاهي للعمل فيها، لكنّ الجديد في الحلم، أنّني فكّرت في نفسي أنّه ربما يكون صحيحًا، في نهاية الأمر، أنّ المغتربين لا يعودون قادرين على العيش في بلدهم رغم أنّهم كانوا يفعلون ذلك ويتدبّرون أمورهم جيّدًا قبل هجرتهم منه.
في الواقع، أنا أعرف أنّ الضجة في البناية لا تزعجني إلى هذا الحدّ. أحبّ البناية وأحبّ الحارة وبيوتها، ولا أتوقّع منها أن تكون ما ليست عليه. أحبّها حبًّا حقيقيًا، أي أنّني أحبها كما هي، لكنّ المسألة ليست في البناية ولا في الحارة. الأحلام مخبّأة في ثيابها؛ في ثياب النوم.
الحقيقة أنّني في صباح اليوم الذي رأيتُ فيه هذا المنام، استيقظتُ وكان كلّ شيء بخير. كان رأسي لا يزال في لبنان، وكان بالي مطمئنًّا لكون رأسي فيه، إلى أن فتحتُ عينَي وأمسكتُ هاتفي ووقعتُ على بيان الاعتذار الذي كتبه الكوميدي نور الحجّار تحت ضغط التهديد الذي تعرّض له بعدما تمّ نبش نكتة قالها عام 2018، واعتبرها البعض مسيئة إلى الإسلام. في كلّ صباح، أقول لنفسي إنّني لن أطالع هاتفي ومواقع التواصل الاجتماعي فورًا بعد أن أفتح عينيّ، وأنّني سأغسل وجهي وأشرب القهوة قبل أن أفكّر حتى في أن ألمس الهاتف، لكنّني لا أقوم بذلك.
كنت أعرفُ في رأسي –الذي لم أجده لغاية هذه اللحظة– أنّ البناية التي لم أعد أعرف كيف أعيش فيها هي لبنان الذي يُضطر فيه كوميدي إلى أن يعتذر عن نكتة قالها منذ أكثر من 5 سنوات لكي يحمي نفسه وعائلته من الأذى.
عشتُ يومًا كاملًا حزينة بسبب هذا المنام، وبسبب لاوعيي. كنت أتمنّى لو لم يكن لاوعيي واعيًا إلى هذه الدرجة. أفضّله كما يُفترض به أن يكون: غير واعٍ. أركل إليه بطرف رجلي كل الأسئلة والمسائل والرسائل والبيانات التي توجع قلبي، وأدفنها فيه عشر سنوات مثلًا، قبل أن تعود وتركلني من حيث لا أدري، لكنّني، على الأقل، أكون قد أجّلتها سنوات طويلة قد لا أعيش حتى لأراها، لكنّني مع لاوعيي الواعي هذا أضطر إلى مواجهة تبعات الحوادث في اليوم التالي لحدوثها، كأنْ لا أشغال أخرى لديّ ولا حياة يومية.
ليست الحملة التي تعرّض لها نور الحجّار، والتي دفعته -مرغمًا أعتقد- إلى الاعتذار هي المسألة الوحيدة التي تجعل لبنان بلدًا يصعب العيش فيه –أعرف ذلك تمامًا ولا أرمنس البلد لأنني أعيش خارجه– لكنّها الوحيدة التي تجعله بالنسبة إليَّ أنا شخصيًا مخيفًا. لا تخيفني العتمة إذا انقطعت الكهرباء، لكنّ الاعتداء الذي تعرّض له رواد حانة "مدام أوم" يخيفني.
كنت أقول في نفسي إنّني قادرة على التكيّف مع كل أشكال الأزمة، كما تكيّفت معها لسنتَين قبل مغادرة البلد، ولنحو 28 سنة إذا ما اعتبرنا أن الانهيار ليس مستجدًّا، لكنّني أخاف من أن تضيق الفسحة التي يحق لنا ضمنها التعبير عن أنفسنا بحرية. أحلم مرّات بالعودة إلى لبنان، وأقول إننا سنتدبّر أمرنا مثلنا مثل غيرنا، لكنّ رأسي لم يعد في لبنان.
أعرف ذلك لأنني، وأنا مُقبلة على مغادرة فرنسا -بلد هجرتي الأولى- أشعر بأنّ هذا الرحيل يوجعني قليلًا. كنت أفكّر في أنّ رحيلي من لبنان هو الرحيل الذي طبع حياتي، وأنّني، إذا كنتُ قادرة عليه، فهذا يعني أنّني قادرة على مغادرة أيّ مكان آخر في العالم. كنت أعتقد أيضًا أنه لا يهمني بتاتًا في أيّ بلد أعيش ما دامت هذه البلدان كلها ليست لبنان، لكنّ تولوز؛ المدينة الفرنسية التي أسكن فيها منذ نحو 3 سنوات، أصبحت هي أيضًا مكانًا مألوفًا لي، وأنا أحبّ الأماكن المألوفة، وسحرها يشتغل شغله بي من دون الحاجة للّجوء إلى حيلة.
رأسي لم يعد في لبنان إذًا. أعتقد أنّه سوف يصبح معي قريبًا، هنا، حيث أكون، وأنّني من تلك اللحظة وصاعدًا سوف آخذه معي أينما أذهب. هكذا، يطمئن رأسي إليه.
