عاصم بدر الدين
بيروت، لبنان | 8 أيلول/سبتمبر 2025
اليوم الأول*
أتذكر تلك الليلة، التي تعرفت فيها لأول مرة إلى روايات إلياس خوري. أتذكرها أم أتخيلها؟ لا أعرف. لكن، كأن ما حدث يومها، على نحو مفاجئ وغير مخطط له، كان انتقالاً يشبه الانمحاء بين عالمين. أمام «مملكة الغرباء»، في غرفتي، ذهبت دفعة واحدة إلى عالم آخر، غريب ولا أعرفه، منوماً بسحر لم أتمكن من فهمه. وحين عدت، من هناك، من ذاك العالم المستجد، كنت كمن اكتشف سراً.
لا أتذكر، بدقة، هذه الليلة. مثلاً، لا أعرف زمن حدوثها، إلا على نحو تقديري. أي أنني أربطها بما سبقها من أحداث وما تلاها. كأن أقول إننا كنا في عام 2006، بعد انتهاء حرب تموز وعودتنا إلى بيتنا، من نزوحاتنا المتتالية. وأنه كان صيفاً. أتخيلني بشورت وكنزة نص كم، والمروحة خلفي تدور وتهدر. وأنها حصلت قبل موعد معرض الكتاب السنوي، في كانون الأول، الذي ذهبت إليه في رحلة مدرسية واشتريت منه، بناءً على قرار مسبق، «كأنها نائمة»، التي كانت صدرت لتوها. أي أن هذا اللقاء الأول، في ذاكرتي ومخيلتي، يمتد إلى بضعة أشهر، لا يمكنني حصرها. هذا الطيف الزمني الواسع، يتعبني ويحزنني. لكنني أتساءل، الآن، كأنني أخفف عن نفسي هذه المشقة، ألم تكن علاقتي بإلياس خوري وأدبه وكتاباته وسيرته، لحظة مفتوحة بدأت من ذاك الحدث، المشوش في رأسي، ولم تنته، على ما يبدو، حتى بعد وفاته؟
اليوم الثاني
كيف أفسر حالة مثل هذه من دون أن أشط وأبالغ؟ ومن دون أن أقول إنني، حقاً، كلما بدأت كتاباً، لأي كان، وعن أي موضوع، منذ تلك اللحظة المفتوحة، أبدو كأنني أعود إلى الوراء، إلى ذلك الحدث التأسيسي الغامض، الذي سأسميه لاحقاً «ليلة اللبنة والبندورة»، وأبدأ من جديد. أي أن كل قراءة، وتالياً كل كتابة، تبدأ من جذر واحد، هو اكتشافي لإلياس خوري وأدبه.
هذه مبالغة. ربما. لكنها تعجبني. ومن أجل تثبيتها، وتوكيدها، على ما فيها من غرابة وشطط، أسقط كل ما سبقها من استعدادات ذهنية وميول مكتسبة، كان يمكنها أن تجعلني قارئاً أيضاً. ومنها، أنني قرأت في صغري على نحو أسبوعي وبرغبة لحوحة مني، لا بفرض ولا توجيه، مجلة للأطفال. ثم، حين كبرت قليلاً، قرأت، من دون أي تخاذل، مجلة رياضية. ثم مجلة سياسية. وكانت الجريدة حاضرة، يومياً، في بيتنا. كنا ننتظر بعضنا بالدور، حين يعود أبي، وهو صحافي، من عمله، لنقلب صفحاتها، كأنه طقس أسري. وكنت أترك، دائماً، روايات بوليسية مترجمة، صغيرة الحجم، في سيارة أبي، أقرأها حين كان يضعني إلى جانبه في مشاوير شغله، التي نحسبها بعيدة. كنت أنتظره، حين نصل إلى وجهته، في السيارة وأقرأ.
وفي الأيام الأولى من حرب تموز قرأت، بعدما انقطعت الكهرباء وقبل أن نضطر للنزوح، «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران، وتأثرت. بكيت حتى انفجرت عيناي. والأهم، أنني في طفولتي كنت أنام، حرفياً، داخل مكتبة. كان بيتنا القديم ضيقاً على عددنا القليل. فاضطر أهلي إلى اقتطاع زاوية من غرفة الجلوس، لتأمين مكان لنا، أخي وأنا، ننام فيه. كانت مكتبة أبي، وقد تحولت حائطاً خشبياً لغرفة مرتجلة، ضيقة، بالكاد تتسع لطفلين سمينين وسريرين فوق بعضهما. هل نام أحد منكم، يا سادة، داخل مكتبة لسنوات؟ أشك. يعجبني ذلك أيضاً، ويشعل ذاكرتي وخيالي. لكنه، في أثره، ليس شيئاً أمام ما اكتشفته في تلك الليلة.
المسألة، أقله في عقلي، بسيطة جداً. كنت، قبل «مملكة الغرباء»، طفلاً مثل غيري يفتش ويبحث. وهذا ما تؤكده لي ذاكرتي. ذلك أنني، في هذه الفترة نفسها، أي قبل أن يصبح عمري 16 عاماً، وقبل أن أكتشف إلياس خوري، جربت نفسي في اهتمامات كثيرة. عزفت ورسمت ولعبت كرة الطاولة والقدم والسلة. ومرة، كدت أن أمثل على مسرح أمام جمهور هائل العدد، لولا قلق التصاق اسم الشخصية، التي اخترت لتأديتها، بي إلى الأبد. كانت القراءة، مثل كل هذه الأفعال، تجريباً بتجريب. لكن، في تلك الليلة اتخذت قراراً. صحيح أنني لم أقل بوضوح، بيني وبين نفسي، إنني أريد ذلك، أريد مزيداً من ذلك، إنني من هنا، ولست من هناك، غير أن ما حصل بعدها، أي ما كان يمكن أن أسميه في حينها المستقبل، أكد ذلك.
اليوم الثالث
ليست المرة الأولى التي أستعيد فيها تلك الليلة. تعود، بسبب ومن دونه، إلى رأسي. إنها الأصل، كما أحاول أن أقول وأبرهن. حتى أنني جربت أن أكتب عنها، قبل أكثر من 10 سنوات. هذه حكاية تستحق أن تروى. كنت، في حينها، بدأت الكتابة في ملحق النهار، لا لسبب غير أن إلياس خوري، حين تعرفت إلى أدبه، كان يكتب فيه (كتبت، قبل ذلك، في جريدة القدس العربي للغاية نفسها). هذا، على عكس ذاك الذي أشرت إليه سابقاً، كان قراراً واضحاً عندي. أريد أن أكتب في المكان نفسه الذي كتب فيه. بعد نحو سنة على نشر أول مقال، كتبت نصاً صغيراً لمناسبة صدور «سينالكول». كنا في عام 2012. لا أتذكر ماذا كتبت. لكن ما أعرفه أنني حكيت عن سندويش اللبنة والبندورة نفسها. أرسلته، غير أن محرر الملحق، في حينها، عقل العويط رفض نشره. قال لي إننا لا ننشر عن أصدقائنا. لم أفهم. بقيت سنوات أفكر في رفضه. هل كان يقصد، وهو شاعر لا بد أن خياله واسع بالضرورة، أن القارئ صديق الكاتب، والعكس؟ والحال هذه، من يكتب عن من إذن؟ كان عليّ أن أنتظر المرض، بعد سنوات طويلة، ثم الوفاة، لأفهم أنه كان يتحدث عن نفسه، لا عني. وهذا غريب، لا؟
في كل حال، بقي هذا النص، غير المنشور، والذي لا أملك غالباً نسخة منه، حسرة لا تزول. هل أحاول في ما أكتبه، الآن، أن أداويها؟ نعم. لكنها لم تكن حسرة وحيدة. ذلك أنني حين عرفت بخبر وفاته، كان حزني حزنين. حزن أول، هو هذه الخسارة الشخصية. وحزن آخر قلّبته ذاكرتي من طبقاتها البعيدة. كأنه كان انتقاماً مؤجلاً، صفعة استحقيتها متأخراً، على ذنب دفنته، وأحسب أنه لا يغتفر. كانت ذكرى عائدة من عام 2014.
يومها، كنت مع صديقتي بالقرب من الجامعة العربية في الطريق الجديدة، نمشي نزولاً باتجاه الكولا. رن هاتفي. تجمدت في مكاني. أخرجته من جيبي، ورحت أبحلق في الشاشة الصغيرة. كنت أسمع طنيناً وصوتاً يقول لي «يلا رد. رد». هل كان صوتي أم صوتها؟ كان هو. لم أتفاجأ، إذ كان قد طلب رقمي في اليوم السابق، عبر فايسبوك، لأنه يريد أن يتعرف إلي. لا لشيء، إلا لأنني فعلت ما فعله كل مهووس رصين بشخصية عامة بعد ظهور فايسبوك: فتحت صفحة باسمه، عام 2008.
كنت مرتبكاً وقلقاً، منذ أن طلب رقمي. ولا أتذكر ما قاله، في اتصاله هذا، ولا بماذا كنت أرد. لكن، يمكنني أن أتخيل أنني أكثرت من «إي»، «أكيد» و«شكراً». هذه عادتي، حين لا أجد ما أقوله. وكنت أدور، في مكاني على الرصيف، وأنظر إلى البنايات المحيطة، أقله كي لا أراها تنظر هي، بدورها، إلي مرتبكاً وتائهاً إلى هذه الدرجة. ثم اتفقنا على أن أتصل به في أول الأسبوع المقبل، لنحدد موعداً للقائنا. كنا في 5 حزيران. تاريخ لا أعرفه من ذاكرتي، بل من صورة التقطتها ونشرتها على انستغرام، يومها، لشجرة تخترق سقف كوخ/ مقهى لسائقي الفانات، في الكولا، جلست فيه مع صديقتي بعد نهاية الاتصال القصير، وبداية أثره المدوّخ. في الأيام التالية، رحت أفكر في اللقاء وأتخيلني فيه. ماذا سأفعل؟ ماذا سأقول؟ ماذا سيقول؟ أين سنلتقي؟ وفي أي ساعة؟ هل يكفي أن أصمت؟ هل يكفي أن أضحك أو أن أهز رأسي؟ ولم أتصل به، طبعاً. كنت قلقاً وخائفاً وخجلاناً، وإلى آخره. قررت أن أنسى. لكن، الآن ومنذ سنة، كيف أنسى؟
لا أريد أن أعطل، ولو جزئياً، درامية الفكرة السابقة. غير أنني، في الحقيقة، عدت والتقيت به بعد أكثر من عام، في أيلول 2015. هذه المرة، وكنت مراهناً على النسيان، طلبت موعداً منه لإجراء مقابلة، نشرت في موقع المدن. كنت، في حينها، أجري مقابلات مع كتاب وباحثين عن الحركة الاحتجاجية التي بدأت في تلك الفترة. حضر القلق نفسه منذ أن وافق، بلطف زاد ارتباكي. وما كنت أتخيله في ذاك اللقاء الأول، المهدور، شهدت عليه واقعاً. ذلك أنني منذ دخلت مكتبه، في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في فردان، كنت كأنني اختفيت. صرت شبحاً، فمي لا يفتح ولا يتحرك. نشف حلقي، كما نقول في مثل هذه الحالات، حرفياً. كان عليّ أن أطرح أسئلة. لكن من أين ستأتي هذه، إذا كان حاملها غير موجود؟
لا أعرف كيف انتهت المقابلة. ولا أذكر كيف حضرت الأسئلة والأجوبة. ما بقي، في ذاكرتي، من ذلك اللقاء أنني كنت أنقّل بصري، كأنني متفرج محايد، بينه وبين علبة مالبورو حمراء وركوة قهوة يبدو أنها فارت أثناء غليِّها، كانتا موجودتين على مكتبه، وكارتونة بسكويت غندور الشهيرة، بألوانها الحمراء والخضراء والبيضاء، لا أتذكر بالضبط أين كانت. وجود هذه العلبة، في مكتبه، أضحكني لسبب لا أفهمه. كأنه شيء مستغرب. لكنها لم تكن بغرابة إصراره على أنه يعرفني من قبل. طبعاً، هو يعرفني. غير أنه كان يقصد أننا التقينا من قبل. نفيت. لا أتذكر كيف. هل قلت له «لو أننا التقينا من قبل، فعلاً، ما كنت لأنسى ذلك»؟ لا أعرف. تبدو هذه الجملة شبيهة بما يمكن أن أقوله، لو كنت أكثر ارتياحاً. في كل حال، كان ظنه هذا كافياً ليذهب بخيالي بعيداً، ليس في زمن المقابلة نفسها فحسب، بل في كل زمن لاحق. إنه يعرفني!
المهم. نعود إلى تلك الليلة، التي أريد لها أن تكون بداية كل شيء. «ليلة اللبنة والبندورة».
أقول إنني كنت في غرفتي. في بيتنا الجديد. المروحة تدفع الهواء بارداً إلى ظهري. أجلس على كرسي، وأنظر إلى شاشة الكمبيوتر. في ذلك الزمن، وتحديداً بعد اغتيال رفيق الحريري، كنت بدأت أهتم بما يمكن أن نسميه شأناً عاماً. هل كنت، لحظتها، أتصفح موقع حركة اليسار الديمقراطي، الذي كان يشبه موقعاً إخبارياً، لا موقعاً حزبياً؟ غالباً، نعم. هل قرأت فيه مقالاً لإلياس خوري وأعجبني، فقررت أن أبحث عن اسمه؟ أرجح ذلك. هل قرأت تعريفاً عنه، كما في تلك النبذة المختصرة في ويكيبيديا؟ لا أعرف، لكن ممكن. هل كان نص «مملكة الغرباء» من أول النتائج التي ظهرت لي؟ لا أشك بذلك أبداً. كان نصاً، لا نسخة PDF، ولون الخط أحمر على خلفية غير بيضاء. ربما، كانت لوناً قريباً من البني. لست متأكداً. وبدأت:
«قلت لها إنني أشم رائحة الذكريات.
«ابتسمت.
«كانت مريم تبتسم حين لا تعرف الأجوبة، ثم تتلعثم وتتردد قبل أن تقول إنها لا تعرف أن تعبر عن فكرتها.
«هكذا كانت.
«امرأة قصيرة الشعر، واسعة العينين، ظهرها ينحني قليلاً إلى الأمام، تدندن لحناً غريباً لم تقل لي مرة من أين جاءت به، وتمشي إلى جانبي صامتة على ضفة البحر الميت.
«كان الأفق رصاصياً.
«رصاص يلون ضفة البحر الميت، وأنا أقف. غور الأردن ينخفض بي إلى قاع لزج. رطوبة ورصاص ورائحة ذكريات.
«الفرق هو القصة، قالت. الحب هو قصة الحب.
«لم تكن معي في رحلتي إلى الغور. بلى كانت، رائحتها كانت، وأنا أشم رائحة الذكريات، وهي لا تعرف الفرق بين الحب وقصة الحب».
كيف أفسر حالة مثل هذه من دون أن أشط وأبالغ؟
بدأت القراءة، من دون أن أتمكن من التوقف. كنت كلما تقدمت، جملة بعد أخرى، أقرب وجهي أكثر من الشاشة. كأنني ألتصق بما أقرأه. أو أنجذب إليه ويسحبني. إلى أين؟ لا أعرف. كنت مدهوشاً، مذهولاً ومأخوذاً. وهذا وصف قليل، على ما أحسب. قليل جداً. أقرأ كأنني أركض. يمكنني أن أزعم، بلا أي دليل، أنني كنت ألهث. أم أن هذا ما شعرت به، حين أعدت قراءة الرواية قبل أيام، للمرة الثالثة، وليس ما أحسسته قبل 19 عاماً؟ ما الفرق حقاً؟ ما يمكن أن أؤكده هو أنني حين بدأت كان الوقت عصراً، وضوء النهار يدخل إلى غرفتي من شباكها الوحيد. وحين انتهيت، كان الظلام. وفي مرحلة ما، كنت أقرأ مكتفياً بضوء الشاشة الثقيل والمزعج. ثم، فجأة، شعرت بالجوع. جعت كأنني لم أكل شيئاً منذ سنوات. أحب لو أنني أستسهل القول إن الأدب العظيم جوّعني. أو أنه فتح نفسي وشهيتي. لكن، لا. لست من هؤلاء. أفضل أن أقول إنني في صغري هربت من دور العم بو مسعود، الذي يأكل ولا يشبع، إلى نموذج فلان الفلاني الذي يقرأ ولا يشبع. وهذا الجوع، المفاجئ، كأنه كان إرهاص تحول بدأ.
ما جرى بعد ذلك، أعتبره خيالاً تعدى على الواقع. قلت، من قبل، إنني لم توقف عن القراءة. وهذا ليس صحيحاً. كنت أبالغ فحسب. توقفت مرة واحدة، كانت عندما داهمني هذا الجوع. وقفت، واتجهت إلى باب الغرفة. كبست زر الإضاءة، القريب منه، وخرجت. كنت منوماً، كأن قوة خفية تحركني. لو أننا ركبنا كاميرا، في الكوريدور فوق باب الحمام، لرأيت نفسي أمشي باتجاه المطبخ كمن مشى على الماء، خفيفاً وبطيئاً. لا يرى ولا يسمع، مما يحدث حوله، غير ما كان يتردد في رأسه للتو من أثر القراءة. هذا الصوت نفسه، الذي سيرافقني في سنوات لاحقة، حين سأقرأ له مجدداً. الكتابة في الأساس صوت، والكاتب موقع. لكن هذا ليس موضوعنا. موضوعنا هو أنني وصلت إلى المطبخ، ولم أجد أحداً من أهلي في طريقي إليه. أين كانوا؟ لا أعرف، كأنهم اختفوا. فتحت البراد. أخرجت الخبز واللبنة والبندورة. فتحت رغيفاً. اقتطعت ربعاً منه، وأعدته إلى كيس النايلون، كما تفعل أمي. مرغت اللبنة بالملعقة. سأكتشف، لاحقاً، أن ما وضعته منها كان كمية مثالية، بما لا يدفعني إلى الشعور بالغثيان. لكن، هل كانت البندورة مقطعة سلفاً؟ لا أذكر. أفضل أن أدعي أنني اجتهدت أكثر، وجلبت سكيناً وصحناً وقطعتها شرحات صغيرة، بعد أن غسلتها. وضعت البندورة على اللبنة. رشيت قليلاً من الملح. كعفت أحد طرفي الرغيف، ولفيته. كانت سندويشة، نحيفة، بطول مسطرة مدرسية تقريباً.
اليوم الرابع
كانت أطيب سندويش في العالم. أو، على الأقل، أطيب سندويش لبنة. وأنا، في الأساس، لا أحب اللبنة كثيراً. طبعاً، لم أعرف قيمة ما صنعته يداي، إلا بعد أن عدت إلى غرفتي، بالتمهل نفسه، وجلست على الكرسي وتابعت القراءة، من حيث توقفت. وكانت أول لقمة. هل أكذب، إذا قلت إنني، فيما أكتب الآن، قادر على استعادة طعمها الخارق، تماماً مثلما شعرت به قبل 19 عاماً؟ جوابي هو لا. لا أكذب. لكن، لماذا أشعر بقدرتي على تذكر طعم مر على تذوقي له نحو عقدين من الزمن؟ هل لأن ذاكرتي تخلط بين ما كنت أقرأه، ويدهشني، وبين ما كنت أكله؟ لا أعرف. وليس مهماً. هذا ما حصل، وما أتذكره. تفسيره، الآن أو بعد قرن، لن يغير شيئاً. الذكرى مشحونة بالالتباس والأسئلة. وستبقى.
لا أعرف ماذا فعلت بعد انتهائي من قراءة الرواية. هل نهضت، ثم تسطحت على سريري القريب، وقد كنت متعباً وعيناي تؤلمانني بعدما أحمرتا مثل جمرتين صغيرتين؟ أو هل رحت أبحث عن مزيد من رواياته أو كتاباته وسيرته؟ أو، ببساطة، بقيت على كرسي أتأمل السقف أو الحائط الأبيض المواجه لي؟ لا ذكريات، أبداً، في هذا الشأن. لكن ما أعرفه، وما أعتبره مفارقة تستحق الذكر، أنه في المكان نفسه الذي كنت أجلس فيه، وعلى غالب مساحة هذا الحائط تحديداً، الذي أفترض أنني تأملته، ستقوم بعد سنوات قليلة من تلك الليلة مكتبة. هي مكتبتي الشخصية، التي ستبدأ رفوفها من بلاط الأرض وتنتهي عند السقف. هل هذه صدفة؟ أفضل أن أقول لا.
في كل حال، لن تكون «ليلة اللبنة والبندورة» المرة الأخيرة التي يجتمع فيها هذا المثلث: أدب الياس خوري، الأكل وأنا، بوصفي قارئاً. ما سأكتشفه، لاحقاً، خلال رحلتي مع أدبه، أن الطعام يحضر فيه بعمق ومزاج عال. ميل واضح، حفزني مرات إلى تخيل جمع ما كتبه في ما يشبه كتالوغ، سأسميه في يوم ما أو في حياة أخرى «وصفات طعام من أدب إلياس خوري». قد تكون «مملكة الغرباء»، والحال هذه، استثناءً وربما ليس الوحيد، رغم أنه يذكر فيها طنجرة فاصوليا ورز أكل منها الراوي ومريم، وجنود لبنانيون من الشمال، فوق خراب مطعم في بيروت اسمه «لوكولوس». لكنه يذكرها هكذا، كما لو أنها بلا أثر، ومن دون أي اكتراث، بعكس ما سيفعله في روايات أخرى. على أن هذا الاستثناء، في هذه الرواية، يعجبني أيضاً. إذ يمنح ربطي لها بساندويش اللبنة والبندورة هذه معنى آخر. كأنها رؤيا. أو، في تأويل آخر، كأنها جزء من فعل قراءة يستكمل الكتابة. ألا يقول، هو، شيئاً بهذا المعنى؟
أفكر أن الانتباه، عندي، إلى الطعام وإمكانية استبداله الكلام أسلوباً في التعبير بدأ من «باب الشمس». الكلام يخرج من الفم، والطعام يدخل إليه أو عبره. أي أنه تعبير معكوس، ربما، لكنه ممكن. ويناسبني تماماً. كان على الدكتور خليل أن يأكل البرتقال من الغصن الذي جلبته أم حسن من فلسطين، كما قال له يونس، بدل أن يتركه يتعفن على الحائط. «الوطن يجب أن نأكله لا أن نتركه يأكلنا. يجب أن نأكل برتقال فلسطين ونأكل فلسطين والجليل».
في «سينالكول»، كان نصري شماس يعتبر عجة البيض المقلي مع اللبنة والصنوبر «أطيب ترويقة في العالم». ابنه، كريم، يقول «كنت حمار، وقال يعني كنت أقرف من البيض مع اللبنة، وبعدين علمتني الأيام، وفهمت أن البيض باللبنة هي أطيب أكلة بالعالم، بفرنسا كنت كل ما نام مع مرا حس بطعمة اللبنة والصنوبر تحت لساني، بس هوني ما في لبنة، قال الفرنساوية عندهم ثلاثمية نوع جبنة، ومع ذلك ما بيعرفوا أطيب شي بالعالم، وكيف لما منغطس اللبنة بالزيت منشم ريحة الحياة، الحياة ريحتها خضرا متل زيت الزيتون». أذكر أنني صدقت الأب والابن. دخلت المطبخ مجدداً، وكانت أمي هناك. قلت لها أريد عجة البيض مع اللبنة والصنوبر. استغربت ورفضت. أصريت. قلت لها إنها أطيب ترويقة في العالم، وهذا مكتوب في الرواية. جلبت الكتاب وقرأت لها. وافقت. كانت النتيجة خيبة لا تصدق. غشني الأدب. كان، على ما هو دائماً، أحلى من الواقع. لا؟
الخاتمة الآن. في عام 1993، في مقابلة مع مجلة الآداب، سألكَ محاورك يسري الأمير سؤالاً كان طرحه الشاعر سعدي يوسف في نهاية مقالته عن «مملكة الغرباء»: «هل يحتمل السؤال عن الرواية أن تقوم الرواية عليه؟». أجبتَ أن يوسف «وقع في اللبس لأنه فهم من السؤال أنه مجرد سؤال، بينما كان السؤال لدي حيلة. الكتابة كلها حيلة. مشروع مملكة الغرباء لا تستطيع أن تجمع عناصره إلا بالحيلة (...). مملكة الغرباء في رأيي ليست سؤالاً حول الرواية بل هي رواية، بمعنى أنها تخبر حالة متكاملة الجديد فيها هو المزج العلني بين المتخيل والحقيقي، تحويل الحقيقي إلى ما يشبه المتخيل».
ما عدت، غالباً، بعد كل هذه السنوات، قادراً على تمييز الحقيقي من المتخيل. ليس في ما كتبته هنا أو لم أكتبه، أو في ما أتذكره وأتخيله فحسب، بل في وجودي نفسه في هذا المكان أيضاً. لا ضرر في ذلك، على ما أحسب. فهذه هي حيلتي في العيش. الكتابة جزء من الحيلة، بمعنييها، أيضاً. الحيلة، أي التحايل. والحيلة، أي القدرة، كأن نقول إن فلاناً واسع الحيلة. ورغم أن مخاطبة الموتى تبدو لي أسهل من مخاطبة الأحياء، كنت أحتاج إلى حيلة لأقول لكَ: ممنونك.
* العناوين الفرعية تمثل عدد الأيام التي امتدت عليها كتابة هذا النص.